الانتخابات المغربية 2026.. من رسائل الصناديق إلى مسؤولية المرحلة المقبلة

ادارة التحريرمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
 الانتخابات المغربية 2026.. من رسائل الصناديق إلى مسؤولية المرحلة المقبلة

 

 

اقلام واراء

بقلم: المصطفى متوكل (إعلامي ومثقف مغربي)

 

لم تكن الانتخابات التشريعية التي عرفها المغرب يوم 23 شتنبر 2026 مجرد موعد دستوري لاختيار أعضاء مجلس النواب، وإنما شكلت محطة سياسية ومؤسساتية تفرض قراءة هادئة ومتأنية لما أفرزته صناديق الاقتراع، ولما ينتظر البلاد والمواطنين خلال المرحلة المقبلة.

وقد جرت الانتخابات لاختيار أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 395 عضواً، بمشاركة 27 حزباً سياسياً، فيما بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02 في المائة، وفق المعطيات التي أعلنتها وزارة الداخلية.

أما النتائج فقد أظهرت تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، وحزب العدالة والتنمية بـ54 مقعداً، تليه أحزاب أخرى بأعداد متفاوتة من المقاعد.

لكن قراءة الانتخابات لا ينبغي أن تتوقف عند ترتيب الأحزاب وعدد المقاعد، لأن وراء هذه الأرقام رسائل سياسية ومجتمعية تستحق التوقف والتأمل.

 

المشاركة الانتخابية.. سؤال مفتوح:

 

من أبرز المعطيات التي تستحق النقاش نسبة المشاركة، التي بلغت 38.02 في المائة.

وهذه النسبة تفتح من جديد النقاش حول علاقة المواطن بالمؤسسات المنتخبة، وحول قدرة الأحزاب السياسية على إقناع المواطنين، وخاصة الشباب، بأهمية المشاركة في الحياة العامة.

ولا يمكن تفسير انخفاض المشاركة بعامل واحد، فهناك عوامل متعددة تتداخل في تشكيل علاقة المواطن بالانتخابات، من الثقة في المؤسسات إلى طبيعة البرامج الانتخابية، مروراً بمدى ارتباط الخطاب السياسي بالمشاكل اليومية للمواطن.

ولهذا فإن الأرقام ينبغي أن تكون مناسبة للتفكير وليس فقط للمقارنة.

 

نتائج تعيد ترتيب المشهد:

 

أفرزت الانتخابات خريطة برلمانية جديدة، وجعلت حزب الأصالة والمعاصرة في مقدمة النتائج الأولية بـ97 مقعداً، بينما جاء التجمع الوطني للأحرار ثانياً بـ66 مقعداً والاستقلال ثالثاً بـ65 مقعداً.

وفي المقابل، سجل حزب العدالة والتنمية حضوراً بـ54 مقعداً، في حين توزعت بقية المقاعد على عدد من الأحزاب السياسية.

هذه النتائج تعني أن تشكيل أغلبية برلمانية يحتاج إلى توافقات ومشاورات بين عدد من المكونات السياسية، باعتبار أن مجلس النواب يتكون من 395 مقعداً.

وهنا تبدأ مرحلة أخرى أكثر أهمية: مرحلة الانتقال من المنافسة الانتخابية إلى العمل المؤسساتي.

 

المواطن ينتظر النتائج في حياته اليومية:

 

بعد انتهاء الانتخابات، لن يكون السؤال الأساسي بالنسبة للمواطن هو فقط: من حصل على أكبر عدد من المقاعد؟

بل ستطرح أسئلة أكثر ارتباطاً بالحياة اليومية:

ماذا عن فرص الشغل؟

ماذا عن المدرسة العمومية؟

ماذا عن المستشفى والخدمات الصحية؟

ماذا عن القدرة الشرائية؟

ماذا عن السكن؟

ماذا عن الطرق والنقل والبنيات التحتية؟

وماذا عن التنمية في العالم القروي والمناطق التي ما زالت تحتاج إلى مزيد من الاستثمار؟

هذه الأسئلة وغيرها ستكون حاضرة في تقييم المرحلة المقبلة، لأن المواطن يريد أن يرى أثر السياسات العمومية في حياته، وأن يشعر بأن المؤسسات المنتخبة قريبة من انشغالاته.

 

الشباب.. رهان المستقبل:

 

يبقى الشباب أحد أهم المفاتيح لفهم المستقبل السياسي للمغرب.

فالشباب لا يحتاج فقط إلى خطابات انتخابية، بل يحتاج إلى فرص حقيقية للتكوين والعمل والمبادرة، وإلى قنوات تسمح له بالمشاركة في صناعة القرار وفي الحياة العامة.

ومن هنا فإن إعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات السياسية تقتضي الاستماع إليه، وإشراكه، وإعطائه مكانته داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، وربط الخطاب السياسي بالنتائج الملموسة.

 

الأغلبية والمعارضة.. مسؤولية مشتركة:

 

الحياة البرلمانية لا تقوم على الحكومة وحدها، كما لا تقتصر مسؤولية المعارضة على الانتقاد.

فالأغلبية مطالبة بتنفيذ البرنامج الحكومي والدفاع عن اختياراتها أمام البرلمان والمواطنين، بينما تظل المعارضة مطالبة بممارسة أدوارها الدستورية في المراقبة والنقاش وتقديم البدائل.

والاختلاف السياسي، متى ظل في إطار المؤسسات والاحترام المتبادل، يمكن أن يكون جزءاً من حيوية الحياة الديمقراطية.

 

ملفات كبرى أمام المرحلة المقبلة:

 

ستجد الحكومة المقبلة نفسها أمام مجموعة من الملفات ذات الأولوية، من بينها التشغيل، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، والاستثمار، والقدرة الشرائية، والتنمية المجالية.

كما ستتواصل أوراش كبرى مرتبطة باستعداد المغرب لتنظيم كأس العالم 2030، وما يرافق ذلك من مشاريع في البنيات التحتية والنقل والسياحة والاستثمار.

لكن التحدي الأساسي يظل في جعل هذه المشاريع رافعة تنموية يشعر المواطن بآثارها، سواء من خلال خلق فرص العمل أو تحسين الخدمات أو تطوير المجالات الترابية.

 

السياسة بعد الانتخابات:

 

الانتخابات محطة، لكنها ليست نهاية العمل السياسي. فالمنتخب الذي وصل إلى البرلمان أصبح أمام مسؤولية جديدة، والحزب الذي حصل على ثقة الناخبين أصبح مطالباً بترجمة برنامجه إلى مبادرات وتشريعات ومواقف واضحة.

كما أن المواطن لم يعد معنياً فقط بالحملة الانتخابية، وإنما بمتابعة الأداء بعد الانتخابات.

وهنا يبرز دور الإعلام والمجتمع المدني والمواطن نفسه في مراقبة العمل المؤسساتي وطرح الأسئلة حول تنفيذ البرامج والوعود.

إن قراءة نتائج الانتخابات تحتاج إلى الابتعاد عن الانفعال، والاقتراب من لغة الأرقام والوقائع والمصلحة العامة.

فلا ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى مناسبة للانقسام، وإنما إلى فرصة لتجديد النقاش حول مستقبل البلاد، وحول كيفية تقوية المؤسسات وتعزيز المشاركة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن المغرب أمام مرحلة جديدة، والمرحلة الجديدة تحتاج إلى عمل جاد، وإلى خطاب سياسي مسؤول، وإلى مؤسسات منتخبة قريبة من المواطن.

لقد قال الناخب كلمته عبر صناديق الاقتراع، والآن يأتي دور المنتخبين والأحزاب والمؤسسات لتحويل هذه النتائج إلى عمل يخدم الوطن والمواطن كما حث على ذلك صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده في جميع خطاباته في كل المناسبات.

فالرهان الحقيقي بعد الانتخابات ليس فقط عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، وإنما ما ستنتجه هذه المقاعد من تشريع ومراقبة وسياسات عمومية، وما سيشعر به المواطن من أثرها في حياته اليومية.

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة