بقلم: الإعلامي المصطفى متوكل
مع انطلاق مرحلة جديدة في الحياة السياسية المغربية، تتجدد انتظارات المواطنين وآمالهم في أن تكون الحكومة الجديدة عند مستوى التطلعات، وأن تترجم وعودها إلى إجراءات عملية تنعكس إيجابًا على حياتهم اليومية، وتساهم في تحسين ظروف عيشهم، ومحاربة الفقر والهشاشة، وتوفير فرص الشغل، والارتقاء بخدمات الصحة والتعليم.
فالمواطن المغربي لا ينتظر مجرد برامج معلنة أو خطابات تحمل الوعود، بل يتطلع إلى نتائج ملموسة تحفظ كرامته، وتضمن له ولأسرته شروط العيش الكريم، وتفتح أمام أبنائه آفاقًا حقيقية للعمل والاستقرار. ومن هنا، فإن نجاح أي تجربة حكومية ينبغي أن يقاس بمدى استجابتها لحاجيات المواطنين، وقدرتها على جعل التنمية وسيلة لتحسين حياتهم، لا مجرد أرقام ومشاريع لا يشعر الجميع بأثرها.

خدمة المواطن.. جوهر المسؤولية السياسية
إن خدمة المواطن ليست شعارًا يرفع في المناسبات و الحملات الانتخابية ، بل التزام أخلاقي وسياسي يقتضي من كل مسؤول أن يجعل المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية والحزبية، وأن يستحضر باستمرار أن المسؤولية تكليف قبل أن تكون امتيازًا.
فالمواطن الذي يواجه صعوبات في الحصول على العلاج، أو يبحث عن فرصة عمل تحفظ كرامته، أو ينتظر مدرسة جيدة لأبنائه، أو يعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة، لا تعنيه الخلافات السياسية بقدر ما تعنيه الحلول الواقعية التي تخفف معاناته وتمنحه الأمل.
لذلك، فإن المطلوب من الحكومة الجديدة هو اعتماد سياسة تجعل المواطن في صلب القرارات العمومية، من خلال تحسين جودة الخدمات، وتبسيط المساطر الإدارية، ومحاربة كل أشكال الفساد وسوء التدبير، وضمان تكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما يتعين الإنصات إلى المواطنين والتفاعل مع شكاياتهم وانتظاراتهم، خاصة الفئات الهشة والشباب والأسر محدودة الدخل، مع الحرص على أن تصل ثمار التنمية إلى مختلف مناطق المملكة، بما فيها القرى والمناطق التي لا تزال تعاني نقصًا في التجهيزات والخدمات الأساسية.
إن قيمة العمل الحكومي لا تقاس بما يقال عن المواطن، بل بما يتحقق لفائدته؛ ولا بكمية الوعود، بل بمدى الوفاء بها.
محاربة الفقر والبطالة.. من الوعود إلى النتائج
تظل محاربة الفقر والبطالة من أبرز الاختبارات التي ستواجه الحكومة، وهو ما يفرض اعتماد حلول عملية ومستدامة، بدل الاكتفاء بالتدابير الظرفية.
ويتطلب ذلك تشجيع الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتيسير إحداث المشاريع، وتوفير بيئة ملائمة للمبادرات الشبابية، وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل. كما يستوجب دعم الاقتصاد المحلي، وتشجيع الأنشطة المدرة للدخل، وتحفيز الاستثمار في المناطق التي تحتاج إلى فرص تنموية جديدة.
وفي الجانب الاجتماعي، ينبغي تعزيز فعالية برامج الدعم، وتحسين القدرة الشرائية للأسر، وضمان استفادة الفئات المستحقة من الخدمات الأساسية، مع إعطاء الأولوية للصحة والتعليم والسكن اللائق.
أما العالم القروي والمناطق الأقل استفادة من التنمية، فتحتاج إلى عناية خاصة من خلال تحسين الطرق والتجهيزات الأساسية، وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم الفلاحين والأنشطة الاقتصادية المحلية، حتى لا يبقى الانتماء إلى منطقة معينة سببًا في تفاوت فرص المواطنين.
إن المطلوب هو أن يشعر المواطن بأن السياسات الحكومية تحدث تغييرًا حقيقيًا في واقعه، وأن يجد الشاب فرصة لبناء مستقبله، والأسرة ما يساعدها على مواجهة أعباء المعيشة، والمقاول الصغير ما يمكّنه من الاستمرار وخلق فرص الشغل.
الحكومة والمعارضة.. تنافس سياسي ومسؤولية وطنية مشتركة
إن خدمة الوطن والمواطن مسؤولية تتقاسمها الحكومة والمعارضة ومختلف الأحزاب والمنتخبين والمؤسسات. فالحكومة مطالبة بتنفيذ برنامجها والوفاء بالتزاماتها، بينما يتعين على المعارضة ممارسة رقابتها باستقلالية، وتقديم البدائل والحلول، والتنبيه إلى الاختلالات بما يساهم في تحسين الأداء العمومي.
ولا تعارض بين الاختلاف السياسي والتعاون من أجل المصلحة العامة؛ فالاختلاف حق ديمقراطي، لكن ينبغي ألا يتحول إلى غاية في حد ذاته أو إلى وسيلة لتعطيل الإصلاحات التي يحتاج إليها المواطن.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة موجهة إلى جميع الفرقاء السياسيين لتغليب المصلحة العليا للمملكة، والابتعاد عن الحسابات الحزبية الضيقة، وجعل التنافس قائمًا على جودة البرامج ونتائجها. فالمواطن ينتظر من المنتخبين أن يكونوا صوتًا لانشغالاته، وأن يترجموا ثقتَه بهم إلى عمل جاد ومبادرات تخدم الصالح العام.
التوجيهات الملكية السامية.. دعوة إلى الالتزام والإنجاز
إن استحضار التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، يفرض على مختلف المؤسسات والفاعلين جعل خدمة المواطن وتحقيق التنمية الشاملة في صدارة الأولويات، والعمل على تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، والاهتمام بالشباب، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
ويتعين على الحكومة والمعارضة والمنتخبين التفاعل المسؤول مع مضامين الخطابات الملكية، وترجمتها إلى برامج قابلة للتنفيذ والتقييم، بما يضمن الانتقال من تشخيص الاختلالات إلى معالجتها، ومن الإعلان عن الأهداف إلى تحقيق النتائج.
كما ينبغي أن تظل المحاسبة والشفافية أساسًا لتدبير الشأن العام، حتى يتمكن المواطن من معرفة ما تحقق من الالتزامات، وما تعثر منها، والأسباب التي حالت دون إنجازها.
إن الوفاء للتوجيهات الملكية لا يتحقق بمجرد الإشادة بها، بل يتجسد في العمل اليومي للمسؤولين، وفي جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وفي حماية المال العام، وفي الإنصات إلى الفئات التي تحتاج إلى الدعم والمواكبة.
الدفاع عن الوحدة الترابية.. واجب وطني جامع
وبموازاة الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية:
يظل الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة المغربية من الثوابت الوطنية التي تستوجب تعبئة مستمرة وتعاونًا بين مختلف القوى السياسية والمؤسسات والفعاليات المدنية والإعلامية.
وتبرز أهمية التعريف بعدالة القضية الوطنية، والترافع عن المبادرة المغربية للحكم الذاتي، وتعزيز الدبلوماسية الحزبية والبرلمانية والإعلامية، والتواصل مع مختلف الفاعلين في الخارج، بما يخدم المصالح العليا للمملكة.
كما يشكل مغاربة العالم رصيدًا وطنيًا مهمًا في الدفاع عن القضايا المغربية والتعريف بمواقف المملكة داخل بلدان الإقامة. ومن الضروري تثمين مبادراتهم وتوفير الظروف الملائمة لمشاركتهم في العمل الثقافي والإعلامي والمدني والدبلوماسي الموازي.
إن قوة المغرب ترتبط بتماسك جبهته الداخلية، وثقة مواطنيه في مؤسساته، وقدرته على الجمع بين الدفاع عن ثوابته الوطنية وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية. فالمواطن الذي يشعر بالإنصاف والكرامة والانتماء يشكل عنصرًا أساسيًا في تعزيز قوة الوطن ومناعته.
المواطن أولًا، والإنجاز معيار المسؤولية
إن الحكومة الجديدة أمام مسؤولية واضحة: تحويل الوعود إلى التزامات قابلة للتنفيذ، وجعل تحسين حياة المواطنين الهدف الأساسي للسياسات العمومية. كما أن المعارضة مطالبة بالمساهمة في هذا المسار من خلال الرقابة البناءة والاقتراحات العملية، بعيدًا عن الصراعات التي لا تعود بالنفع على المجتمع.
إن المغرب يحتاج إلى مسؤولين يستمعون إلى المواطن قبل اتخاذ القرارات التي تمسه، ويضعون حاجياته في مقدمة أولوياتهم، ويحاسبون أنفسهم على ما تحقق وما لم يتحقق. فخدمة المواطن تبدأ من احترام كرامته، وتيسير حصوله على حقوقه، وتكافؤ الفرص أمامه، وتنتهي بتحقيق تنمية يشعر الجميع بثمارها.
وعليه، فإن الدعوة إلى الحكومة والمعارضة وجميع المنتخبين هي أن يجعلوا خدمة الوطن والمواطن التزامًا عمليًا يوميًا، وأن يستلهموا التوجيهات الملكية السامية في العمل والإنجاز، وأن يتعاملوا مع محاربة الفقر والبطالة وتحقيق العدالة الاجتماعية باعتبارها مسؤولية وطنية مشتركة، مع مواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة.
فالمغرب يستحق عملًا سياسيًا مسؤولًا، والمواطن يستحق أن يرى أثر هذا العمل في حياته، والوطن يحتاج إلى جهود أبنائه جميعًا من أجل مستقبل أكثر عدلًا وازدهارًا












