قراءة نقدية بلاغية تحليلية في المجموعة القصصية «دخلت..» لبوشعيب المسعودي

ادارة التحريرمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
قراءة نقدية بلاغية تحليلية في المجموعة القصصية «دخلت..» لبوشعيب المسعودي

 

 من«دخلت..» إلى«شذراتهن»: حينتعبرالأنثىعتبةالحكايةوتعيدمساءلةالعالم

 

الناقد: محمد محقق

 

ليست كل العناوين أبوابًا محايدة ندخل منها إلى الكتب؛ فبعضها يوقفنا عند العتبة، يستفز فينا فضول السؤال قبل أن يسمح لنا بالعبور. ومن هذا الصنف جاء عنوان المجموعة القصصية «دخلت..»لبوشعيب المسعودي. فمنذ الوهلة الأولى لا يبدو العنوان جملة مكتملة، ولا يبدو الكاتب راغبًا أصلًا في اكتمالها. فعل ماضٍ، وتاء تأنيث، وفاعل غائب لا يظهر إلا من خلال علامة لغوية صغيرة، ثم نقطتان تتركان القول معلقًا. دخلتْ… ولكن من التي دخلت؟ وإلى أين دخلت؟ وماذا حدث بعد الدخول؟ أهو دخول إلى البيت، أم إلى الحب، أم إلى الخطيئة في نظر المجتمع، أم إلى الذاكرة، أم إلى الذات، أم إلى اللغة نفسها؟ ومن هنا أحس أن النص لا يبدأ في الصفحة الأولى من القصص، وإنما يبدأ من العنوان، بل إن العنوان في ذاته يكاد يكون أقصر قصة في المجموعة كلها.

وقد سبق لي، في التقديم المرفق بالكتاب، أن توقفت عند هذه العتبة ورأيت فيها فعلًا يتصل بحركة الذات الأنثوية داخل العالم، غير أن العودة إلى المجموعة بعد النظر في بنائها وفهرسها تجعلني أرى أن دلالة «الدخول» أوسع مما يبدو لأول مرة. فالفعل لا يحدد مكانًا، ولذلك يمكن أن تتعدد فضاءاته بقدر تعدد القصص؛ وما حذف بعد «دخلت» ربما يكون أهم مما صُرّح به. هنا يتدخل القارئ لكي يكمل الجملة، وكل قارئ يكملها انطلاقًا من تجربته ومن القصص التي يواجهها. وبذلك تتحول علامة الحذف من مجرد ترقيم إلى آلية بلاغية منتجة للمعنى؛ فالمسكوت عنه لا يقع خارج النص، بل يصبح جزءًا من بنيته.

والأكثر إثارة أن الفاعل في «دخلت» ليس اسمًا ظاهرًا. لا يقول الكاتب «دخلت المرأة» ولا «دخلت هي»، بل يترك التاء وحدها تحمل جنس الفاعل. إنه حضور يقوم على الغياب: نعرف أنها مؤنثة، لكننا لا نعرف من تكون. وهذا منسجم بصورة لافتة مع العبارة التي يضعها المؤلف على الغلاف: «وتستمر الشذرات.. شذراتهن…». ضمير الجمع المؤنث هنا يوسع «هي» الواحدة في العنوان إلى «هن» متعددات في الشذرات. كأننا نبدأ بامرأة مجهولة تدخل، ثم نكتشف أن الداخلات كثيرات؛ ليست هناك أنثى واحدة يمكن اختزال تجربتها في نموذج، بل ذوات وأصوات ورغبات ومخاوف وهزائم وتمردات مختلفة.

وأرى في هذا الانتقال من تاء التأنيث المفردة إلى ضمير الجمع المؤنثمفتاحًا بالغ الأهمية لفهم مشروع المجموعة. فالمرأة لا تحضر باعتبارها مفهومًا نظريًا أو شعارًا جاهزًا، وإنما باعتبارها تجارب تتشظى بين الحالات والمواقف. وإذا كانت كلمة «الشذرات» تحمل دلالة التفكك والجزئية والقصر، فإنها في الوقت نفسه تعلن موقفًا فنيًا: الحياة لا تصلنا دائمًا في صورة رواية مكتملة ذات بداية ونهاية؛ كثيرًا ما تصلنا في مشهد، ونظرة، واعتراف، وندم، وحوار قصير، ولحظة حب، وموقف ظلم، ونصيحة، وغياب، وانتظار. وتقوم القصة القصيرة هنا بمحاولة الإمساك بهذه اللحظات قبل أن تذوب.

 

العنوان: فعل العبور وبلاغة النقص

أول ما يلفتني في «دخلت..» أنها جملة فعلية مبتورة. والجملة الفعلية في أصلها تحمل الحركة والتجدد، بخلاف الجملة الاسمية التي قد توحي بشيء من الثبات. المؤلف لا يقول: «هي في الداخل»، وإنما يقول: «دخلت». هناك انتقال إذن، وحركة بين فضاءين، وما دام هناك دخول فلا بد أن وراءه خارجًا وداخلًا وعتبة تفصل بينهما.

وهذا يجعل فعل الدخول محمّلًا بمعانٍ تتجاوز الحركة المكانية. المرأة التي تدخل مجالًا كان مغلقًا أمامها تمارس فعلًا اجتماعيًا. والذات التي تدخل إلى أعماقها تمارس فعل معرفة. والعاشقة التي تدخل تجربة الحب تنتقل من حالة إلى أخرى. والشخصية التي تدخل الحكي تنتزع لنفسها حق الظهور. ولعل أبرز ما يسمح به العنوان هو أن كل هذه المعاني تبقى ممكنة من دون أن يلغي واحد منها الآخر.

ثم هناك الماضي «دخلت..» حدث وقع وانتهى من الناحية النحوية، لكنه لم ينته من الناحية الدلالية، والدليل تلك النقطتان اللتان ترفضان وضع النقطة النهائية. وهذا التوتر بين صيغة الماضي والانفتاح على الاستمرار يعجبني كثيرًا؛ فما حدث انتهى في الزمن، لكنه ما يزال يولد أسئلة في الوعي. وكأن الماضي هنا ليس قبرًا للأحداث، بل مستودعًا لما يستمر أثره.

المرأة دخلت.

ولكن الحكاية لم تنته.

بل ربما تبدأ تحديدًا بعد الدخول.

ومن هذه الناحية يمكن أن أقرأ علامة الحذف باعتبارها مقاومة للإغلاق. القصة القصيرة تقوم عادة على نهاية، لكنها هنا تحمل من الغلاف نفسه وعدًا بأن النهاية ليست نهاية تامة. وهذا يتفق مع العبارة «وتستمر الشذرات»؛ إن كل شذرة تنتهي لكي تفسح المكان لشذرة أخرى، وكل تجربة امرأة لا تختصر تجارب الأخريات.

 

من «هي» إلى «هن»: الأنثى بوصفها تعددًا

يؤكد التقديم المنشور في الكتاب أن القصص تسعى إلى رصد الذات الإنسانية والحضور الأنثوي بمختلف ملامحه ورغباته وتحدياته، وتضع المرأة داخل واقع مشبع بالتناقض والمعاناة والتطلع والتمرد. وما يهمني هنا أن هذا الحضور الأنثوي لا ينبغي أن نفهمه فهمًا اختزاليًا يجعل جميع القصص بيانًا في «قضية المرأة». فالمرأة قبل أن تكون قضية هي إنسان، وحين تتحول الشخصية إلى مجرد ممثلة لفكرة يخسر السرد جانبًا من حيويته.

وأظن أن تنوع العناوين في الفهرس يساعدنا على فهم ذلك. نجد «أنوثة»إلى جانب «رجولة»، ونجد «حب» في أكثر من موضع، و«ندم»، و«انتظار»، و«أمنية»، و«فرح»، لكننا نجد كذلك «ظلم»، و«طاعة»، و«سلطة زائدة»، و«ابتزاز»، و«عقاب»، و«الوطنية»، و«موقف»، و«أستاذ اللغة»، و«مشكل لغة»، و«درس نموذجي»، و«صيرورة»، و«النهاية»، و«أوديب». هذه الخارطة العنوانية وحدها تمنع القراءة من حصر المجموعة في بعد عاطفي واحد. إننا أمام عالم يتحرك بين الشخصي والاجتماعي، وبين الجسد والسلطة، وبين التربية واللغة، وبين الحب والخوف، وبين الأسرة والمجتمع، وبين الأنثوي والذكوري، وبين النفسي والثقافي.

وهذا ما يجعلني أفضل الحديث عن وعي أنثوي بالعالم بدل القول إن الكتاب يتناول المرأة فحسب. فالفرق كبير. الأول يجعل الأنثى ذاتًا ترى وتسائل وتحاكم، والثاني قد يحولها إلى موضوع يصفه رجل من الخارج. ومن أهم الأسئلة التي يمكن أن نطرحها على المجموعة: إلى أي حد ينجح السارد في أن يمنح الشخصية النسائية استقلالها عن تصور الكاتب عنها؟ وهل تتكلم المرأة فعلًا، أم يتكلم النص باسمها؟

وهو سؤال ينبغي أن يظل مفتوحًا، لأن الكتابة عن المرأة لا تعني آليًا أننا منحنا المرأة صوتًا.

 

تسعة وستون مشهدًا: هندسة التشظي

يكشف الفهرس عن ما يقارب تسعًا وستين قصة قصيرة موزعة في حجم محدود نسبيًا، وكثير منها يشغل صفحتين تقريبًا. وهذه الملاحظة الشكلية ليست هامشية؛ إنها تؤكد أن «الشذرات» ليست وصفًا استعاريًا وضعه الكاتب على الغلاف فقط، بل هي جزء من هندسة الكتاب نفسه.

فالكتاب لا يبني عالمه عبر حكاية طويلة تتنامى أفقيًا، بل عبر تراكم الوحدات القصيرة. كل قصة أشبه بقطعة زجاج صغيرة، وربما لا تعطينا القطعة وحدها صورة العالم، لكن تجاور القطع يصنع نوعًا من الفسيفساء. وما يوحد هذه الفسيفساء ليس الشخصية ذاتها ولا الحدث ذاته، وإنما مزاج رؤيوي يقوم على الإمساك بلحظات الاضطراب في حياة الإنسان.

وهنا تكمن إحدى فضائل القصة القصيرة: إنها تستطيع أن تمنح تفصيلًا صغيرًا أهمية قد لا يجدها داخل الرواية. كلمة قيلت في غير وقتها، نظرة، ارتباك، قرار مفاجئ، اعتذار، انتظار رسالة، توبيخ، حادثة ظلم؛ كل ذلك يمكن أن يتحول إلى مركز كون مصغر.

ولكن هذا الشكل يضع الكاتب في الوقت نفسه أمام امتحان قاس. فالقصر لا يغفر الحشو. في الرواية يمكن لصفحة ضعيفة أن تضيع بين مئات الصفحات، أما في قصة من صفحتين فإن كل عبارة مرئية تقريبًا. ولهذا يصبح الاقتصاد شرطًا فنيًا لا اختيارًا تجميليًا.

والقصة القصيرة ليست قصيرة لأن الكاتب كتب كلمات أقل فقط، بل لأنها تعلم فن الاستبعاد: ماذا أقول؟ ماذا أحذف؟ وأي لحظة أختار لكي توحي بما قبلها وما بعدها؟

 

بلاغة العناوين المفردة: كلمة واحدة تفتح حكاية

يلفت النظر في الفهرس اعتماد عدد كبير من القصص على عنوان من كلمة واحدة: «ندم»، «مكتوب»، «عقاب»، «موقف»، «أنوثة»، «ظلم»، «طاعة»، «حب»، «أمنية»، «الوطنية»، «النهاية»، «حساب»، «انتظار»، «صيرورة»، «عيب»، «هدية»، «رجولة»، «زلة».

إن هذا الاقتصاد العنواني ينسجم مع طبيعة الكتاب. العنوان هنا لا يشرح القصة، وإنما يضع أمام القارئ بذرة دلالية ثم يطلب منه أن يختبر كيف ستنمو داخل الحكاية.

خذ كلمة مثل «عيب». كلمة صغيرة، لكنها تحمل وراءها نظامًا اجتماعيًا كاملًا. فالعيب ليس قانونًا مكتوبًا، لكنه قد يكون أكثر قوة من القانون. ومن يحدد العيب؟ ومن يملك سلطة القول لامرأة أو رجل: هذا عيب؟ ومتى يتحول العيب من قيمة أخلاقية إلى أداة لضبط الجسد والسلوك؟

وكذلك «طاعة». الكلمة تبدو إيجابية داخل سياق ما، لكنها تستطيع أن تكون مرعبة في سياق آخر. الطاعة للوالدين ليست كالطاعة العمياء لسلطة ظالمة، وطاعة الزوجة المفروضة اجتماعيًا ليست هي التفاهم. العنوان، إذن، لا يحمل حكمًا جاهزًا، بل يضع المفهوم في موضع السؤال.

أما «أنوثة» و«رجولة»، فتبدوان لي من أكثر العناوين إثارة، لأنهما تفتحان المجال لفحص الطريقة التي يبني بها المجتمع صورًا جاهزة للجنسين. ما الأنوثة؟ هل هي جسد؟ رقة؟ ضعف؟ إغواء؟ أم هذه كلها صور أنتجها المجتمع؟ وما الرجولة؟ القوة؟ السلطة؟ القدرة على كبت المشاعر؟ وهل يصبح الرجل أقل رجولة إذا بكى أو اعتذر؟

مجرد وضع العنوانين في المجموعة نفسها يجعلني أشعر بوجود حوار ضمني بينهما.

 

الحب لا يظهر مرة واحدة

يتكرر عنوان «حب» في الفهرس، كما نجد في النهاية تقريبًا «ساعة حب». وهذا التكرار نفسه ذو دلالة؛ فالحب لا يملك قصة واحدة، ولذلك يحتاج الكاتب إلى العودة إليه من زوايا مختلفة.

والحب في النص القصير خطر وجمال معًا. خطر لأن الأدب العربي والعالمي كتب عنه إلى درجة يصعب معها أن يقول الكاتب شيئًا جديدًا، وجمال لأنه من أكثر الخبرات قدرة على إظهار هشاشة الإنسان. فالمرء الذي يستطيع أن يتماسك أمام مشكلات كثيرة قد يفقد توازنه أمام كلمة من شخص يحبه.

لكن ما يهمني في قراءة هذه المجموعة ليس أن أسأل: هل القصص رومانسية؟ بل: ماذا يفعل الحب بالشخصية؟

هل يحررها؟

هل يقيدها؟

هل يكشف ذاتها؟

هل يجعلها تعيش وهمًا؟

وهل الحب في عالم المجموعة مساحة للخلاص أم شكلًا آخر من السلطة؟

إن وضع «حب» بالقرب من عناوين مثل «ابتزاز» و«طاعة» و«سلطة زائدة» يجعل قراءة العاطفة بعيدًا عن علاقات القوة أمرًا صعبًا. وهذا من شأنه أن يمنح المجموعة بعدها الأعمق؛ فالعلاقة بين رجل وامرأة ليست عاطفة فقط، بل قد تحمل داخلها أيضًا تفاوتًا اجتماعيًا وجنسيًا ورمزيًا.

 

«أنوثة» و«رجولة»: الجسد داخل ميزان المجتمع

يتكثف سؤال النوع الاجتماعي في هذين العنوانين، لكنني لا أتعامل معهما بوصفهما متناقضين آليًا. قد يكون الرجل والمرأة معًا ضحيتين للنموذج الثقافي الذي يُفرض عليهما.

فالمرأة يطلب منها أحيانًا أن تكون «أنثى» وفق تعريف محدد: جميلة، مطيعة، صامتة، محتملة.

والرجل يطلب منه أن يكون «رجلًا» وفق تعريف محدد آخر: قويًا، آمرًا، لا يظهر ضعفه، ولا يتراجع.

وفي الحالتين يمكن للنموذج أن يتحول إلى سجن.

ومن هذه الزاوية يصبح الأدب مكانًا مناسبًا لتفكيك تلك القوالب؛ لأن الشخصية لا تحتاج إلى أن توافق التعريف الاجتماعي. تستطيع المرأة أن ترفض «أنوثة» الآخرين عنها، ويستطيع الرجل أن يكتشف أن «رجولته» لا تحتاج إلى إخضاع امرأة كي تثبت نفسها.

وهنا تظهر أهمية عنوان المجموعة من جديد: «دخلت» قد تعني أن الذات الأنثوية دخلت المساحة التي كانت تُعرَّف فيها من الخارج، وصارت تشارك في تعريف نفسها.

 

بين «أوديب» و«صيرورة»: انفتاح على النفسي والفلسفي

يستوقفني وجود عنوان مثل «أوديب»في نهاية سلسلة يغلب على عناوينها الطابع اليومي. أوديب ليس اسمًا محايدًا؛ إنه يحمل تراثًا أسطوريًا ونفسيًا هائلًا، من المأساة اليونانية إلى فرويد. ومجرد استدعائه يضع النص في مجال تناصي يفتح أسئلة الأسرة والرغبة والسلطة واللاوعي.

وبجواره تقريبًا تظهر كلمات مثل «صيرورة» و«النهاية» و«مكتوب» و«قدر»، وكلها تنقل التجربة من الواقعة اليومية إلى سؤال المصير.

وهنا يظهر أن بوشعيب المسعودي لا يريد للقصة القصيرة أن تظل مجرد تسجيل لمفارقات الحياة الاجتماعية، بل يحاول في بعض العتبات أن يجعلها تلامس الوجودي: ماذا نصنع نحن؟ وماذا يصنع بنا القدر؟ هل الإنسان حر أم محكوم بما سبق؟ هل النهاية نهاية فعلًا أم بداية لصيرورة أخرى؟

واللافت أن عنوان «صيرورة» يقاوم ضمنيًا «النهاية». الصيرورة حركة لا تستقر؛ والنهاية توقف. وجودهما معًا داخل الكتاب يعيد إنتاج التوتر الذي وجدناه أصلًا في «دخلت..»: حدث وقع، ومع ذلك يستمر.

 

اللغة نفسها تدخل المحاكمة

يحضر في الفهرس «مشكل لغة»و**«أستاذ اللغة»** و**«درس نموذجي»**، وهي عناوين تجعل اللغة والتربية داخل موضوع القصص نفسها.

وهذا أمر لافت؛ لأن اللغة في الأدب عادة وسيلة، أما هنا فتظهر كذلك بوصفها موضوعًا. وربما تكون هذه فرصة للسخرية من العلاقة بين اللغة والمؤسسة التعليمية، أو بين اللغة وقواعدها، أو بين الأستاذ والواقع، لكنني لا أستطيع أن أنسب إلى القصص أحداثًا لم تظهر في الصفحات المرفقة. ما أستطيع قوله بثقة هو أن وجود هذه العناوين داخل منظومة الكتاب يجعل القول نفسه موضوعًا للسؤال.

ومن زاوية بلاغية، نجد أن لغة التقديم تصف القصص بأنها تجمع البناء القصصي بالتعبير الشعري وبالسلاسة والأسلوب المتماسك. وهذا أمر ينبغي اختباره في النصوص ذاتها، لكنه يرسم أفقًا جماليًا مهمًا: الكاتب يريد قصةً لا تتخلى عن الشعرية.

والشعرية هنا لا ينبغي فهمها بوصفها حشدًا للاستعارات. اللغة الشعرية في القصة هي التي تخلق كثافة من غير أن توقف الحكاية. إذا اضطر القارئ إلى التوقف عند كل جملة ليعجب بزخرفها، مات الإيقاع القصصي. أما إذا خرجت الصورة من الموقف ومن نفسية الشخصية، أصبحت البلاغة جزءًا من الحدث.

 

الفعل السردي والأنثى: من المفعول به إلى الفاعل

ثمة مسألة لغوية في عنوان المجموعة أراها جوهرية: «دخلت» فعل مبني للمعلوم.

إنها لم «تُدخَل».

هي «دخلت».

الفارق النحوي صغير في الظاهر، لكنه دلاليًا بالغ القوة.

في الجملة الأولى تكون المرأة مفعولًا بها، تحركها قوة أخرى.

وفي الثانية هي صاحبة الفعل.

ومن هنا يمكن النظر إلى العنوان بوصفه انتقالًا رمزيًا من الأنثى الموضوع إلى الأنثى الفاعلة. إنها تدخل بإرادتها، أو على الأقل يقوم الفعل مسندًا إليها.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الشخصيات كلها مستقلة أو منتصرة؛ فقد تدخل المرأة تجربة تؤلمها، أو علاقة تخذلها، أو فضاءً يفرض عليها شروطه. لكن مجرد إسناد الحركة إليها يجعلها موجودة داخل الفعل لا خارجَه.

وهذا أحد الفروق بين الأدب الذي يتحدث عن المرأة والأدب الذي يسمح لها بأن تتحرك في اللغة.

 

السلطة في صورها الصغيرة

تعطينا عناوين مثل «سلطة زائدة»، «طاعة»، «عقاب»، «توبيخ»، «نصيحة»، «ظلم»، «ابتزاز» خيطًا آخر يمتد في المجموعة: علاقة الفرد بالسلطة.

والسلطة ليست دائمًا دولة أو مؤسسة كبرى. قد تكون أبًا، أو زوجًا، أو مديرًا، أو مدرسًا، أو عرفًا اجتماعيًا، أو حتى حبًا يستخدم لإخضاع المحبوب.

وهنا تبرز براعة القصة القصيرة في كشف السلطة داخل المشاهد اليومية. فالأشكال الكبرى من القهر تظهر واضحة، أما السلطة الصغيرة فهي أكثر مكرًا لأنها تختبئ داخل الكلمات العادية: «من أجل مصلحتك»، «هذا عيب»، «أنا أعرف أكثر منك»، «يجب أن تطيعي».

لغة السلطة كثيرًا ما ترتدي ثوب الرعاية.

والأدب يكشف أحيانًا ما تخفيه العبارات المطمئنة.

ولهذا لا تكفي دراسة العلاقات في المجموعة بوصفها علاقات عاطفية؛ إنها كذلك علاقات تفاوض حول الحق في القرار.

 

‹‹الوطنية»: من الخاص إلى العام

وجود قصة بعنوان ‹‹الوطنية» وسط قصص تحمل عناوين ذات صبغة عاطفية وأسرية يوسع العالم السردي، ويمنع الذات من أن تبقى محصورة داخل البيت.

فالإنسان لا يعيش بصفته رجلًا أو امرأة فحسب؛ يعيش كذلك مواطنًا، ويتأثر بخطابات الوطن والانتماء والسياسة. وقد يكون العنوان، في حد ذاته، ذا إمكانية ساخرة، لأن الأدب القصير كثيرًا ما يختبر المسافة بين الشعارات والسلوك، لكن دون النص الكامل لن أذهب أبعد من ذلك.

ما يعنيني هو أن المجموعة، من خلال خارطة عناوينها، تتحرك من غرفة الفرد إلى المجتمع، ومن المشاعر إلى المؤسسة، ومن الداخل النفسي إلى الخارج السياسي والاجتماعي.

وهذه الحركة تمنح «الشذرات» رابطًا يتجاوز موضوع المرأة وحده: نحن أمام محاولة لرصد الإنسان وهو يصطدم بعالمه.

 

كثرة المقدمات: حين يسبق النقد النص

أجد في بناء الكتاب أمرًا يستحق الوقوف عنده؛ إذ يسبق القصص «تقديم أول» و«تقديم ثان» و«تقديمها» ثم «مقدمة قصيرة جدًا» قبل أن تبدأ القصة الأولى في الصفحة الرابعة والثلاثين تقريبًا.

هذه الكثرة في العتبات تحمل وجهين.

من جهة، تكشف حرص المؤلف على إحاطة عمله بأصوات قرائية متعددة، وكأن الكتاب يريد أن يدخل إلى قارئه مصحوبًا بمن سبقوه إلى القراءة. وهذه ظاهرة مألوفة في بعض الأعمال الأدبية، خاصة حين يريد الكاتب أن يثبت انتماء تجربته إلى مشهد أدبي وحوار نقدي.

لكن من جهة ثانية، ثمة خطر في أن يقال للقارئ مسبقًا كيف ينبغي له أن يقرأ الكتاب. فكل تقديم يشيد بموضوع أو أسلوب قد يصنع إطارًا يقيد التلقي. والقصة الجيدة تحتاج كذلك إلى شيء من العزلة، إلى أن تواجه القارئ من دون وسطاء.

وهذا لا ينتقص من قيمة المقدمات، بل يضعها في موقعها الصحيح: هي قراءات، لا مفاتيح نهائية.

بل إن أجمل ما يمكن أن يحدث هو أن يقرأ القارئ المقدمات ثم يختلف معها.

 

الغلاف: صورتان وذات تبحث عن موقعها

الغلاف مبني على الأبيض والأسود، وفيه حضور بصري لشخصين، مع صورة المؤلف في الواجهة وتجاور وجه نسائي معه. ويهيمن العنوان «دخلت..» بحجم كبير في الأسفل، فيما تأتي عبارة «وتستمر الشذرات.. شذراتهن…» في الأعلى.

ومن غير أن ننسب إلى الشخص الظاهر في الصورة هوية لم يحددها الغلاف، يمكن القول إن التكوين البصري نفسه يعتمد الثنائية: ذكر/أنثى، كاتب/موضوع، حضور/تجاور.

لكن المرأة ليست موضوعة في هامش بعيد؛ الوجه ملاصق للوجه، وكأن الغلاف بصريًا يهيئ القارئ لعالم علاقاتي لا لعالم ذات منفردة.

كما أن الأسود والأبيض ينسجمان مع الكثير من الثنائيات التي تتولد من العناوين: حب/ندم، أنوثة/رجولة، ظلم/طاعة، انتظار/نهاية، ثقة/اعتذار.

غير أن الأدب الجيد لا يظل أسير الثنائية. مهمته أن يدخل المنطقة الرمادية بينهما.

وهذه هي المنطقة التي ينبغي أن نبحث عنها في القصص.

 

النهاية والقفلة: ليست الدهشة وحدها معيارًا

القصة القصيرة تحتاج إلى نهاية شديدة الحساسية. وهي مسألة تزداد صعوبة حين تكون القصة في صفحتين تقريبًا. قد يغري هذا الكاتب بأن يجعل كل نص ينتهي بمفارقة أو مفاجأة، لكن المفاجأة إذا تحولت إلى قانون صارت متوقعة، وعندئذ فقدت وظيفتها.

القفلة الجيدة ليست أن تخدع القارئ.

بل أن تجبره على إعادة التفكير فيما قرأ.

إذا جاءت الجملة الأخيرة وكأنها نكتة، انتهى أثر القصة مع لحظة الدهشة. أما إذا غيرت معنى ما سبقها، استمرت القصة بعد النهاية.

وهنا أجد عنوان «النهاية» نفسه مثيرًا. فما هي النهاية داخل كتاب يعلن أن «الشذرات تستمر»؟ قد يكون التناقض مقصودًا أو مصادفة بنائية، لكنه على المستوى النقدي منتج: كل نهاية في المجموعة جزء من سلسلة أكبر.

 

بين الحلم والواقع

في التقديم المنشور للكتاب حضور واضح لفكرة الصراع بين شفافية الحلم والواقع، وهي عبارة أجدها معبرة عن كثير من القصص القصيرة الحديثة. فالحكاية القصيرة كثيرًا ما تبدأ من رغبة بسيطة تصطدم بما هو أقوى منها: امرأة تريد حبًا متوازنًا، إنسان يريد عملًا، شخص يريد اعترافًا، آخر يريد عدلًا أو فرصة أو احترامًا.

الدراما تنشأ من المسافة بين ما نريد وما يسمح لنا به الواقع.

لكن المهم ألا يصبح الواقع قوة غامضة تُتهم بكل شيء. الرواية والقصة الأقوى تكشف كيف يتشكل «الواقع» من أفعال البشر والمؤسسات والعادات والخوف.

فالمرأة التي تُقمع لا يقمعها «المجتمع» بوصفه كلمة مجردة.

يقمعها أب معين.

أو قول بعينه.

أو عرف.

أو قانون.

أو خوف استقر داخلها.

والسرد حين يجسد هذه القوى يصبح أقدر على إقناعنا.

من المعاناة إلى الوعي: ألا تتحول المرأة إلى ضحية أبدية

ينبغي هنا أن أحذر من منزلق نقدي وفني معًا. إذا قرأنا المجموعة كلها من زاوية «معاناة المرأة»، فقد ننتهي من حيث لا نشعر إلى تثبيت صورتها بوصفها ضحية أبدية.

وهذا لا يخدم المرأة ولا الأدب.

الأهم أن نسأل عن وعي الشخصية بما يحدث لها، وعن قدرتها على الفعل، حتى ولو كان فعلها صغيرًا أو فاشلًا.

المرأة التي تدرك القيد ليست هي نفسها المرأة التي لا تراه.

والوعي لا يزيل القيد تلقائيًا، لكنه يغير معنى العلاقة به.

وفي عنوان «دخلت» شيء من هذا الوعي؛ فالحركة تبدأ منها.

وقد تدخل وتخسر.

لكنها تحركت.

وهذا فرق.

 

السخرية المحتملة في العناوين

بعض العناوين مثل «درس نموذجي»، «أستاذ اللغة»، «مشكلة لغة»، «الوطنية»، «رجولة»، «نصيحة»، «طاعة» تحمل قابلية عالية للمفارقة؛ لأن الكلمة تبدو مألوفة ومطمئنة قبل أن تدخل النص.

والقصة القصيرة بارعة خصوصًا في قلب دلالة الكلمات المستقرة.

قد يبدأ عنوان «نصيحة» بما يوحي بالحكمة ثم يتبين أن النصيحة شكل من التدخل.

وقد تأتي «رجولة» لتكشف سلوكًا يناقض المعنى الأخلاقي للرجولة.

وقد يصبح «درس نموذجي» نموذجًا للفشل.

لا أقول إن هذه هي أحداث النصوص، لأنها غير معروضة في الصور، وإنما أشير إلى الطاقة البلاغية التي تحملها العناوين وإلى الإمكان الذي يتيحه جنس القصة القصيرة.

العنوان الناجح يحمل احتمال قلب نفسه.

 

الاقتصاد والتكرار: امتحان مجموعة كبيرة من القصص القصيرة

وجود تسع وستين قصة في كتاب واحد يمنح التنوع لكنه يخلق تحديًا: كيف يتجنب الكاتب تكرار البنية والقفلة والنبرة؟

إذا اعتمد القاص في كل مرة على البناء نفسه—موقف، توتر، مفارقة، قفلة—فقد يبدأ القارئ في توقع آلية النص حتى وإن تغير الموضوع.

لذلك تحتاج المجموعة الكبيرة من القصص القصيرة إلى تنويع في الإيقاع: قصة حوارية، وأخرى وصفية، وثالثة نفسية، ورابعة ذات مفارقة، وخامسة مفتوحة النهاية.

ومن الفهرس وحده يبدو أن الموضوعات متنوعة بدرجة جيدة، لكن الحكم الفني النهائي على درجة التنويع يحتاج بطبيعة الحال إلى النصوص نفسها.

وهنا يكون النقد أمينًا حين يميز بين ما تسمح به الصفحات المرفقة وما لا تسمح به.

 

«دخلت..» باعتبارها سؤالًا عن الحرية

بعد النظر في الغلاف والتقديم والفهرس، يتشكل أمامي خيط يمكن أن يجمع عددًا كبيرًا من الدلالات: الحرية.

الدخول فعل حرية من جهة، لكنه قد يقود إلى قيود جديدة.

الحب يمكن أن يكون حرية وقيدًا.

الأنوثة يمكن أن تكون هوية أو قالبًا.

الرجولة يمكن أن تكون مسؤولية أو سلطة.

الطاعة يمكن أن تكون اختيارًا أو خضوعًا.

الوطنية يمكن أن تكون انتماء أو شعارًا.

واللغة نفسها يمكن أن تحرر أو تقيد.

بهذا تصبح المجموعة، في قراءتي، غير بعيدة عن سؤال واحد كبير:

كيف يعيش الإنسان ذاته داخل عالم يريد باستمرار أن يقول له من ينبغي أن يكون؟

والمرأة في قلب هذا السؤال لأنها عانت تاريخيًا من كثافة التعريفات المفروضة عليها، لكن الرجل نفسه ليس خارجه.

اللغة الشعرية: ضرورة الحذر من فائض المجاز

يصف التقديم لغة المجموعة بالشعرية، وهذا يضعنا أمام ميزة ومخاطرة.

الشعرية تستطيع أن تمنح القصة القصيرة كثافة عظيمة؛ لأن استعارة واحدة قد تختصر صفحة من الشرح.

لكنها قد تتحول إلى فائض إذا صار الكاتب يزين كل حركة بالصورة.

القصة تريد حركة.

والشعرية تريد أحيانًا التوقف والتأمل.

والمهارة هي تحقيق التوازن.

أجمل الصور في السرد ليست التي تجعلنا نقول: ما أجمل الكاتب.

بل التي تجعلنا نقول: الآن فهمت الشخصية أكثر.

وهنا فقط تصبح البلاغة خادمة للرؤية.

 

القارئ شريك في الدخول

عنوان الكتاب لا يصف حركة الشخصية وحدها.

القارئ نفسه يدخل.

يدخل المجموعة.

يدخل عوالم «هن».

يدخل غرفًا نفسية وعاطفية واجتماعية.

لكنه كذلك لا يدخل كاملًا؛ يبقى خارج كل شخصية بشيء من المسافة.

وهذه المسافة مهمة.

فالقراءة لا تعني امتلاك الآخر.

أستطيع أن أفهم ألم الشخصية ولا أصبحها.

وأستطيع أن أتعاطف مع المرأة ولا أدعي أنني أعيش تجربتها كاملة.

ومن هنا يكون النقد مسؤولًا كذلك: ألا يصادر أصوات الشخصيات تحت سلطة تفسير واحد.

 

من التقديم الأول إلى قراءة جديدة

حين كتبتُ في التقديم المرفق بالكتاب أن المجموعة ترصد الذات الإنسانية وتصور الحضور الأنثوي ورغباته وهواجسه، كنت أرى في «دخلت..» حركة الأنثى في واقع مليء بالضغط. وبعد العودة إلى الفهرس والعتبات، أرى أن هذه الفكرة يمكن توسيعها اليوم: الدخول ليس حركة المرأة فقط، بل حركة النص نفسه نحو مناطق متعددة من الإنسان.

دخل إلى الحب.

دخل إلى السلطة.

دخل إلى اللغة.

دخل إلى التربية.

دخل إلى الندم.

دخل إلى الأنوثة والرجولة.

دخل إلى الظلم.

دخل إلى الصيرورة.

ولهذا فإن حذف المكمل في العنوان يبدو لي اليوم أكثر ملاءمة مما لو كان الكاتب قد أكمل الجملة.

لو قال «دخلت المرأة البيت» أغلق الدلالة.

أما «دخلت..» فتظل تمشي.

 

خاتمة: من التي دخلت؟

أعود في النهاية إلى السؤال الأول.

من التي دخلت؟

بعد تأمل هذه العتبات لا أريد أن أجيب باسم واحد.

ربما دخلت المرأة.

وربما دخلت الشخصية إلى وعيها.

وربما دخلت الرغبة إلى مساحة المنع.

وربما دخل القارئ إلى عالم الأنثى.

وربما دخلت القصة القصيرة نفسها إلى مناطق لم تكن تبدو جديرة بالحكي.

وربما دخلنا نحن جميعًا في السؤال ولم نعد نعرف كيف نخرج منه بالإجابة القديمة نفسها.

وتلك، في رأيي، فضيلة العنوان الحقيقي: أن يبقى صالحًا بعد القراءة لا قبلها فقط.

لو انكشف معناه بالكامل في الصفحة الأولى لانتهت وظيفته.

أما عنوان بوشعيب المسعودي فيحتفظ بفجوته.

دخلت..

ولا يقول إلى أين.

وكأن الحركة أهم من الوجهة.

وكأن الأنثى التي اعتاد الآخرون أن يحددوا لها الأمكنة المسموح بدخولها أخذت فعلها وذهبت، وتركت لنا نحن سؤال المكان.

وربما لهذا جاءت العبارة الأخرى على الغلاف:

«وتستمر الشذرات.. شذراتهن…»

فالمرأة التي دخلت في العنوان لم تدخل وحدها.

دخلت خلفها نساء كثيرات.

بعضهن عاشقات.

وبعضهن خائفات.

وبعضهن غاضبات.

وبعضهن مطيعات في الظاهر ومتمردات في الداخل.

وبعضهن لا نعرفهن أصلًا إلا من أثر صغير تركنه في الحكاية.

وهنا تلتقي البلاغة بالسرد: التاء الصغيرة التي ختمت الفعل في العنوان تتسع حتى تصبح عالمًا كاملًا من الأصوات.

ومن ثم فإن المجموعة لا تبدو لي، في أفقها الأوسع، بحثًا عن «المرأة» باعتبارها كائنًا يمكن تعريفه مرة واحدة، بل بحثًا في كيفيات وجودها؛ في اللحظة التي تحب فيها، وتخاف، وتخطئ، وتقاوم، وتخضع، وتتردد، وتنتظر، وتندم، وتحلم، وتعيد النظر.

وذلك هو ما يمنح «الشذرة» قيمتها.

إنها لا تدعي أنها قالت كل شيء.

إنها تلتقط لحظة.

وتترك الباقي للقارئ.

ولذلك فإن النقطتين بعد «دخلت» ليستا فراغًا طباعيًا في رأيي.

إنهما مساحة للحرية.

حرية الشخصية كي تكمل طريقها خارج ما كتبه المؤلف.

وحرية القارئ كي يعيد بناء الحكاية.

وحرية المرأة كي لا يكون بعدها اسم واحد أو مصير واحد أو تعريف واحد.

وعند هذه النقطة فقط يصبح عنوان «دخلت..» أكثر من عنوان مجموعة قصصية.

يصبح إعلانًا سرديًا صغيرًا:

لقد عبرت العتبة.

وما سيحدث بعد ذلك لا يمكن اختصاره في جملة واحدة.

محمد محقق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة