شكل التراث بمختلف تجلياته المعمارية والتاريخية والطبيعية والرمزية محور مجموعة من المداخلات العلمية التي تناولت جوانب متعددة من الرصيد الثقافي والحضاري لجهة بني ملال خنيفرة، وذلك من خلال مقاربات أكاديمية ومعرفية سعت إلى إبراز قيمة هذا الموروث وأهمية صونه وتثمينه.
واندرجت تلك المداخلات في إطار ندوة علمية، أقيمت اليوم الثلاثاء 3 نونبر 2026، في إطار فعاليات ملتقى الثقافة العاشر، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، حول التراث الثقافي باعتباره ذاكرة الوطن وركيزة الهوية الوطنية.
وكما هو مدرج ضمن مداخلات الندوة العلمية، قدم الأستاذ محمد شكري، المحافظ الجهوي للتراث بجهة بني ملال خنيفرة، مداخلة بعنوان «إطلالة على أنواع التراث المعماري وبعض المعالم التاريخية بجهة بني ملال خنيفرة»، استعرض من خلالها تنوع المكونات المعمارية والتاريخية التي تزخر بها الجهة، وما تختزنه من شواهد تعكس تعاقب الحضارات وغنى الذاكرة المحلية.
من جانبه، تناول الدكتور الحسن بودرقا، أستاذ التاريخ، موضوع «الجبل بجهة بني ملال خنيفرة: التاريخ والذاكرة والحمولة الرمزية»، مسلطا الضوء على الأبعاد التاريخية والثقافية والرمزية للمجال الجبلي، وما يمثله من فضاء حافظ للذاكرة الجماعية والتقاليد المتوارثة. كما قدم الدكتور كمال أحشوش، أستاذ التاريخ، مداخلة حول «التراث المعماري بجهة بني ملال خنيفرة: مقاربة تراثية»، تطرق فيها إلى أهمية قراءة الموروث المعماري باعتباره مكونا أساسيا من مكونات الهوية الحضارية للمنطقة.

وفي سياق متصل، انتقلت المداخلات إلى استحضار التراث الشعبي المغربي، من خلال مداخلة الإعلامية والأديبة مبينة حسيم، التي اختارت موضوع «التراث الشعبي بالمغرب: الحكاية والمثل نموذجا»، مبرزة ما تختزنه الحكايات والأمثال الشعبية من قيم إنسانية وثقافية، وما تؤديه من أدوار في نقل الذاكرة الجماعية وصيانة الموروث اللامادي عبر الأجيال.
أما الدكتور هشام البزكراوي، أستاذ الجغرافية الطبيعية، فقد تناول موضوع «التراث الجيولوجي والجيومورفولوجي لأطلس بني ملال: التعريف والتصنيف ومقترحات للتثمين الجيو سياحي»، مقدما قراءة علمية للمؤهلات الجيولوجية والطبيعية التي يزخر بها المجال، مع التركيز على إمكانات توظيفها في تنمية السياحة الجيولوجية وتعزيز جاذبية المنطقة.
كما تميزت الندوة، بمداخلة الدكتورة نورية لمعيد، رئيسة شعبة الجغرافيا، حول «الجبل بجهة بني ملال خنيفرة: إسهامات في الموروث الصوفي والروحي»، حيث سلطت الضوء على الحضور الروحي والصوفي في المجال الجبلي، وما راكمه من مظاهر وممارسات وتقاليد تشكل جزءا من الذاكرة الثقافية والدينية للجهة.
وتعكس هذه المداخلات، بتعدد زوايا تناولها وتكامل مقارباتها، أهمية الانفتاح على مختلف مكونات التراث المحلي، باعتباره رصيدا حضاريا وإنسانيا يستدعي المزيد من البحث والتوثيق والتعريف، فضلا عن بلورة مبادرات عملية كفيلة بتثمينه وجعله رافعة للتنمية الثقافية والسياحية والمجالية.
وتكتسي هذه الندوة العلمية أهمية خاصة ضمن البرمجة الثقافية والفكرية الغنية للملتقى، الذي ينظمه منتدى الآفاق للثقافة والتنمية، باعتبارها محطة معرفية لإعادة اكتشاف الرصيد التراثي والطبيعي والروحي للجهة، وفتح نقاش أكاديمي حول سبل حمايته وتثمينه وربطه بمسارات التنمية المحلية. وتتناغم هذه المحطة مع باقي فقرات الملتقى المتنوعة، التي تشمل تنظيم تكريمات وازنة، وأمسيات شعرية، وتوقيع إصدار جديد، فضلا عن ورشات تأطيرية وتكوينية، وزيارات ميدانية، خاصة إلى مدينة أبي الجعد، بما تختزنه من تاريخ عريق ورمزية حضارية وروحية بارزة في ذاكرة الجهة. وهي برمجة متكاملة تروم جعل الثقافة جسرا لصون الذاكرة الجماعية وتعزيز الإشعاع الثقافي والتعريف بالمؤهلات التراثية والحضارية للمنطقة.
ويشكل هذا الملتقى، في مجمله، مبادرة ثقافية رائدة تعكس الأدوار الطلائعية التي تضطلع بها مكونات المجتمع المدني في النهوض بالفعل الثقافي والفني، والمساهمة في بناء فضاءات للحوار والتواصل وتبادل التجارب والخبرات بين الباحثين والمبدعين والفاعلين الثقافيين.
كما يجسد رهانا حقيقيا على جعل الثقافة رافعة أساسية للتنمية، ووسيلة لترسيخ الوعي الفني والجمالي، وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بهويتها وتراثها وذاكرتها الجماعية، فضلا عن فتح آفاق أرحب أمام الإبداع بمختلف أشكاله وتعبيراته. وتبرز أهمية هذه المبادرة أيضا في قدرتها على تقريب الفعل الثقافي من المواطنين، والانفتاح على المجالات الترابية التي تحتاج إلى مزيد من المبادرات النوعية، بما يعزز العدالة الثقافية ويمنح الطاقات المحلية فرصا للتعبير والمشاركة والإسهام في الحياة العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرارية مثل هذه المواعيد الثقافية وتطوير إشعاعها يظل رهينا بتضافر جهود مختلف المؤسسات والقطاعات والمنتخبين والفاعلين الاقتصاديين، من خلال توفير الدعم والمواكبة اللازمين، إيمانا بأن الاستثمار في الثقافة والإبداع ليس ترفا، بل خيار تنموي وحضاري يسهم في بناء مجتمع واع ومبدع، قادر على الحوار والانفتاح ومواجهة تحديات المستقبل.












