خريبكة: ملتقى الثقافة العاشر يكسب التحدي … خمسة أيام من الإبداع والاحتفاء بالهوية

ادارة التحريرمنذ 52 دقيقةآخر تحديث :
خريبكة: ملتقى الثقافة العاشر يكسب التحدي … خمسة أيام من الإبداع والاحتفاء بالهوية

على امتداد خمسة أيام، من 30 أكتوبر إلى 3 نونبر 2026، عاش إقليم خريبكة وبني ملال على إيقاع حركية ثقافية وفكرية وفنية لافتة، صنعتها فعاليات الدورة العاشرة لملتقى الثقافة، الذي ينظمه منتدى الآفاق للثقافة والتنمية، تحت شعار «التراث الثقافي: بوابة الهوية ونبض الذاكرة»، واحتفاء بعيد الوحدة.
دورة استثنائية في غنى برنامجها وتنوع فقراتها، أكدت أن الثقافة ليست مجرد أنشطة عابرة، بل رافعة أساسية لصون الذاكرة الجماعية وترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الإشعاع الثقافي للمجالات الترابية.
خمسة أيام من العمل والعطاء، وخمس محطات حافلة باللقاءات والحوارات والإبداعات، نجح خلالها الملتقى في تحويل فضاءات ثقافية متعددة إلى منصات مفتوحة أمام الفكر والفن والمعرفة. فقد تعاقبت الندوات العلمية والمحاضرات الفكرية والورشات التكوينية والتربوية، والأمسيات الشعرية والموسيقية، والمعارض التشكيلية ومعارض الصناعة التقليدية، وتوقيع الإصدارات واللقاءات الثقافية، فضلاً عن لحظات الوفاء والاعتراف التي احتفت بكفاءات وشخصيات تركت بصمتها في المشهد الثقافي والإبداعي. وكان التراث الثقافي حاضراً بقوة في مختلف هذه المحطات، باعتباره ذاكرة حية للأمة وجسراً يربط الماضي بالحاضر، ومكوناً أساسياً في صيانة الهوية الوطنية.


وشكلت الندوات الفكرية والعلمية إحدى أبرز محطات هذه الدورة، من خلال مقاربة قضايا التراث والذاكرة والهوية الوطنية، سواء بمدينة أبي الجعد، عبر ندوة «الذاكرة الروحية والتراث الثقافي في خدمة الهوية الوطنية»، أو بمدينة بني ملال، من ندوة فكرية محكمة، ونقاشات تناولت التراث الثقافي باعتباره ذاكرة الوطن وركيزة من ركائز هويته، او خريبكة من خلال ندوة التراث الثقافي والهوية الوطنية والذاكرة.
كما تعزز البرنامج بتقديم المؤلف الجماعي المحكّم «التراث الثقافي: بوابة الهوية ونبض الذاكرة»، الذي قدمه الأستاذ الدكتور محمد أزهري، ونسقه الدكتور أشرف سليم، في مبادرة علمية تروم توثيق الرصيد المعرفي المرتبط بالتراث وإغناء النقاش الأكاديمي حول قضاياه.
ولم يقتصر الملتقى على الجانب الفكري، بل امتد إلى مجالات التكوين والإبداع، من خلال تنظيم ورشات متنوعة استهدفت الأطفال والشباب والمهتمين بالشأن الثقافي والفني.
ومن أبرزها ورشة الرسم والخط العربي لفائدة الأطفال، التي أطرها الفنان التشكيلي محمد الرجاوي، وورشة تكوينية حول «المبادئ والعمليات والمراحل الأساسية لتثمين التراث المعماري»، إلى جانب ورشة حول الحوار الصحافي مع الشخصيات الثقافية، أطرَتها الصحافية اللبنانية رويدا مروة.


كما شكلت الصبيحة الثقافية والزيارة العلمية إلى فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير 20 غشت بخريبكة، يوم 2 نونبر، محطة لاستحضار الذاكرة الوطنية وربط الفعل الثقافي بقيم المواطنة والوفاء للتاريخ، بمناسبة عيد الوحدة.
وعلى مستوى الاحتفاء بالطاقات والإسهامات الثقافية والفنية والإعلامية، خصص الملتقى لحظة مميزة حملت عنوان «ليلة الوفاء»، احتفت بأسماء وازنة تركت بصمتها في مجالات الإبداع والثقافة والإعلام. وشملت قائمة المكرمين الدكتور محمد اسموني، والصحافية اللبنانية رويدا مروة، ورائد المسرح الاحتفالي عبد الكريم برشيد، وفاطمة الزهراء تابع، الملقبة بالسيدة الحرة، والصحافية منال شوقي، إلى جانب مصطفى رجوان. وهي التفاتة تعكس ثقافة الاعتراف وتثمين العطاء، وتؤكد أن الاحتفاء بالمبدعين والمثقفين يشكل جزءاً أصيلاً من رسالة الملتقى، واعترافاً بما قدموه من خدمات جليلة للمشهد الثقافي والإبداعي.
كما منح الملتقى مساحة مهمة للفنون التشكيلية والصناعة التقليدية، من خلال افتتاح معرض جمع بين جمالية التعبير الفني وأصالة الموروث المغربي، بمشاركة الفنانة ليلى موردي، في لقاء بصري استحضر غنى الذاكرة التراثية وتنوع التعبيرات الفنية. ولم تغب الموسيقى عن هذا الموعد، إذ تعانقت الإيقاعات الشبابية المعاصرة مع الأنغام التراثية العريقة ذات النفس الصوفي، في أمسيات فنية أضفت على فضاءات أبي الجعد أجواء احتفالية مميزة، وجعلت من الثقافة جسراً للتواصل بين الأجيال ومختلف الأذواق والتجارب.


كما شكلت محطة بني ملال إحدى المحطات الأساسية والناجحة، وتميزت بتنظيم ورشة تكوينية حول موضوع «المبادئ والعمليات والمراحل الأساسية لتثمين التراث المعماري»، أطرها المحافظ الجهوي للتراث بجهة بني ملال خنيفرة، السيد محمد شكري، بتنسيق مع الأستاذة ثريا المبعد، الباحثة في مجال التراث والمجتمع.
كما احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة السلطان مولاي سليمان ندوة علمية، شكلت محطة متميزة للحوار وتبادل الرؤى حول قضايا الثقافة والتراث، بما يعزز البعد المعرفي والفكري للملتقى، ويفتح المجال أمام النقاش الأكاديمي حول سبل صون الموروث الثقافي وتثمينه.
كما تميزت محطة بني ملال أمسية شعرية وفنية بدار الثقافة، تخللتها قراءات شعرية وزجلية لكل من مليكة عسال، وخديجة بومهدي، وعبد المجيد مرياني، ومصطفى الفطيمي، وحسن بوسلام، وعبد العزيز كوكاس، بتنشيط موسيقي للفنان عبد الإله خطابي، ووصلات شعبية وطربية للفنان حسن سلطان، فضلا عن إطلاق الأغنية الوطنية «الفتح المبين»، في أجواء احتفالية جمعت بين الشعر والموسيقى والاعتزاز بالهوية الوطنية.


وتوجت الدورة بإطلاق توصيات، دعت إلى حماية التراث الثقافي المغربي المادي واللامادي، وتوثيقه ونقله إلى الأجيال الصاعدة باعتباره ركيزة للهوية الوطنية والذاكرة الجماعية.
كما شدد على ضرورة تعزيز دور الثقافة في ترسيخ الوحدة الوطنية والتعريف بالقضية الوطنية الأولى، قضية الصحراء المغربية، من خلال الدبلوماسية الثقافية والإعلامية، فضلا عن تثمين الذاكرة التاريخية والمعمارية لجهة بني ملال-خنيفرة، والتعريف بمؤهلاتها الثقافية والحضارية وموروثها المحلي، وجعل الثقافة رافعة للتنمية المستدامة، عبر إدماج التراث في المشاريع السياحية والاقتصادية والاجتماعية.
كما دعت التوصيات الى دعم المجتمع المدني الثقافي وتمكين الجمعيات الجادة من شروط العمل والاستمرارية، وتعزيز الشراكة بين المؤسسات والهيئات المنتخبة والفاعلين الثقافيين، تشجيع البحث العلمي والرقمنة الثقافية لحفظ الوثائق والشهادات والمخطوطات والمعالم التاريخية من الاندثار، وترسيخ التربية الثقافية لدى الأطفال والشباب، وتشجيع القراءة والإبداع والمشاركة في صون التراث الوطني، وتثمين دور المرأة والمبدعين والباحثين والإعلاميين في حماية الذاكرة الثقافية وتعزيز إشعاع الثقافة المغربية، مع إحداث آلية لتتبع تنفيذ التوصيات وتحويلها إلى برامج عملية بتنسيق مع المؤسسات والشركاء المعنيين.
يؤكد المشاركون أن الثقافة ليست ترفا، بل ركيزة للتنمية، وحصن للهوية الوطنية، وجسر لترسيخ الوحدة، وقوة ناعمة لتعزيز إشعاع المغرب، كما يدعون إلى تضافر جهود جميع المؤسسات والفاعلين من أجل حماية التراث وصون الذاكرة وتحويل الثقافة إلى مشروع تنموي مستدام.
واختتمت الدورة بتلاوة برقية ولاء وإخلاص مرفوعة إلى السدة العالية بالله، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تلتها مديرة الملتقى رئيسة منتدى الافاق للثقافة والتنمية السيدة ياسمين الحاج.

غير أن وراء هذا الزخم الثقافي وتعدد محطاته، تقف شخصية نسائية استطاعت أن تجعل من الإرادة عنواناً للنجاح، ومن العمل الثقافي مشروعاً متكاملاً يتجاوز حدود التنظيم التقليدي للتظاهرات. إنها الأستاذة ياسمين الحاج، رئيسة منتدى الآفاق للثقافة والتنمية ومديرة الملتقى، التي تستحق الكثير من التنويه والتقدير لما أبانت عنه من كفاءة عالية وروح قيادية ونفس تنظيمي طويل.
فقد نجحت ياسمين في تدبير تفاصيل برنامج غني ومتشعب، وجمعت حوله أسماء وازنة من عوالم الفكر والفن والإعلام، ونسجت جسور التواصل بين مختلف الفاعلين والشركاء، واضعة نصب عينيها هدفاً واضحاً يتمثل في جعل الثقافة رافعة للإشعاع والتنمية وصون الذاكرة الوطنية. لقد كانت حاضرة في مختلف تفاصيل هذا المحفل، بعزيمة لا تلين وإصرار على أن تخرج الدورة العاشرة في صورة تليق بقيمة الملتقى ورهاناته.
ومن خلال هذا الملتقى شكلت ياسمين نموذجا للمرأة التي تؤمن بمشروعها وتدافع عنه بالعمل والمثابرة، وتعرف كيف تحول الأفكار والطموحات إلى منجزات ملموسة.
ولعل وصفها بـ«المرأة الحديدية» من قبل عدد من الظرفاء، يجد مبرره في قدرتها على مواجهة تحديات التنظيم، وتدبير تعدد الأنشطة والفضاءات والضيوف، وتحمل أعباء المسؤولية بروح متقدة وإرادة قوية. إنها امرأة اختارت أن تجعل من الثقافة رسالة، ومن العطاء نهجاً، ومن خدمة الإبداع والهوية الوطنية قناعة راسخة. وبفضل هذه الرؤية والإصرار، استطاعت أن تكسب رهان دورة عاشرة قوية، وأن تمنح ملتقى الثقافة مكانة متميزة ضمن المشهد الثقافي الجهوي، مؤكدة أن القيادة النسائية حين تقترن بالكفاءة والطموح قادرة على صناعة التميز وترك بصمة يصعب محوها.
لقد أثبتت هذه الدورة، بفضل كل اللجان التنظيمية والشركاء والداعمين وممثلي وسائل الاعلام، بقدرتها على خلق دينامية ثقافية حقيقية، وفتح فضاءات للنقاش والتكوين والإبداع، وتعزيز حضور الثقافة في الحياة اليومية للمواطنين. ومن هذا المنطلق، قدم منتدى الآفاق للثقافة والتنمية نموذجاً للعمل الثقافي الميداني الذي يراهن على الذاكرة والهوية، ويمنح للمدن والمناطق فضاءً للتعبير والتلاقي والإشعاع.
خمسة أيام من التعب والعمل والعطاء، لكنها كانت أيضاً خمسة أيام من الوفاء والاعتراف والإبداع، كرست نجاح تجربة ثقافية تقودها امرأة آمنت بمشروعها، واستطاعت أن تجعل من ملتقى الثقافة موعداً له وزنه وحضوره. دورة عاشرة، شكلت محطة للاحتفاء بالتراث، وشهادة على أن الثقافة يمكن أن تتحول إلى فعل تنموي وإشعاعي حقيقي، وأن وراء كل تظاهرة ناجحة إرادة تصنع الفرق، ورؤية تؤمن بأن العمل الثقافي الجاد لا يعرف المستحيل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة