«ريح الديجور»… يعيد المسرح نحت الحكاية الشعبية
قراءة في تجربة فرقة نادي خشبة الحي بمراكش.
المركب الثقافي بشيشاوة
تقدم فرقة نادي خشبة الحي بمراكش في مسرحية «ريح الديجور» تجربة تستعيد مادة من الذاكرة الشعبية والملحونية المغربية، انطلاقا من «المنحوتة منحوسة» لعبد الرحمان الصبطي، عن قصيدة «بنت العرعار» لمحمد بن الصغير الصويري، لتعيد تركيبها داخل لغة مسرحية تجمع بين العجائبي والكوميديا والملحون والاشتغال البصري.
وقد قدم العرض بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة والمديرية الجهوية للثقافة مراكش-آسفي.
من حكاية جنية تخرج من جذع شجرة بعد نحتها، ينفتح العرض على أسئلة تتجاوز الحكاية نفسها: هل يمكن لمن يصنع شيئا أن يمتلكه؟ وهل يتحول الخلق إلى حق في الملكية؟ وهل يستطيع الإنسان أن يقطع مع ماضيه؟
المخرج أمين غوادة… الإخراج حين تتحول الحكاية إلى فعل مسرحي.
تتجلى إحدى أبرز نقاط قوة العرض في التصور الدراماتورجي والإخراجي لـأمين غوادة، الذي لا يكتفي بتقديم الحكاية، بل يعمل على تحويلها إلى علاقات وصور وأفعال فوق الخشبة.
ومن الاختيارات اللافتة إخراج الصراع من ثنائية النحات وبائع الثياب، وفتح مسار مواز لشخصية الفقيه، بما تحمله من ماض مع الجنية ورغبة في الخلاص. كما أن الانتقال بين عالم الفقيه وعالم الجذع لا يأتي باعتباره انتقالا مكانيا فقط، بل يتحول إلى انتقال في مستوى الحكاية من الواقعي إلى العجائبي.
وتبرز الرؤية الإخراجية بشكل أوضح في توظيف العربة الخشبية؛ فهي ورشة النحات، وفضاء للحركة والاختفاء والظهور، وفي الوقت نفسه مرتبطة بالجذع الذي خرجت منه الجنية. بذلك يتحول الخشب من مادة سينوغرافية إلى عنصر يحمل ذاكرة الحكاية.
كما يستثمر المخرج مهن الشخصيات داخل الفعل الدرامي: النحات يرى أحقيته في الجنية من خلال فعل النحت، وبائع الثياب يربط أحقيته بتشكيل صورتها ولباسها. وهنا تصبح الكوميديا وسيلة للكشف عن منطق أعمق يتعلق بالامتلاك والرغبة.
ويحسب للتصور الإخراجي كذلك ترك مساحة للممثلين كي يتحركوا داخل سينوغرافيا متغيرة، خصوصا شخصية الفقيه التي تنتقل بين الكوميديا والخوف والرغبة في الخلاص والمواجهة.
غير أن كثافة العناصر البصرية والموسيقية والحركية تجعل الإيقاع تحديا قائما؛ فبعض المقاطع كان يمكن اختزالها أو الاقتصاد في انتقالاتها حتى تحظى اللحظات الدرامية الأساسية بمزيد من التركيز.
الفقيه والجنية… صراع مع الماضي.
يقدم علال خودار شخصية الفقيه باعتبارها شخصية تحمل مسارا موازيا للحكاية. رحلته من الصويرة إلى سيدي كاوكي وسيدي ياسين وسيدي المختار، بحثاً عن الخلاص، تجعل من العبارة «بقى تما حتى تعرف مقصودك» مفتاحا لمسار داخلي يبحث فيه الرجل عن معنى جديد لحياته.
لكن الماضي يعود إليه في صورة الجنية.
وتؤدي فاطمة الزهراء شتوان شخصية الجنية التي تخرج من الخشب، فتتحول من كائن مصنوع إلى ذات لها رغبة وإرادة. وهنا يطرح العرض سؤالا أساسيا: إذا كان الإنسان قد صنع الجسد، فهل يملك صاحبه؟
قوة الشخصية تكمن في هذا التحول، وإن كانت تحتاج إلى مساحة أكبر للتعبير عن إرادتها الخاصة، بعيدا عن كونها موضوعا لرغبة الرجال أو امتدادا لعلاقة الفقيه بها.
النحات وبائع الثياب… الكوميديا خلفها سؤال
يمنح فيصل كمرات وأنس بوزركان للصراع بين النحات وبائع الثياب بعده الكوميدي، لكن هذا الصراع يخفي سؤالاً جدياً حول الأحقية والملكية.
فالنحات يقول، بشكل أو بآخر: أنا من صنعت الجسد.
وبائع الثياب يقول: أنا من صنعت الصورة.
لكن الجنية لا تقبل أن تكون مجرد نتيجة لعمل الآخرين.
وهنا تنجح الكوميديا في كشف تناقض الشخصيات، مع ضرورة الحفاظ على توازنها حتى لا تطغى لحظات الإضحاك على العمق الدرامي للحكاية.
السينوغرافيا والموسيقى… من الزينة إلى الدراماتورجيا.
تشكل السينوغرافيا التي صممها عبد الحي السغروشني وأنجزها عماد العبيدي أحد المكونات الأساسية في بناء العرض. فالعربة الخشبية ليست ديكورا ثابتا، بل فضاء متعدد الوظائف، يتغير بتغير الحدث ويشارك في صناعة الصورة المسرحية.

أما الموسيقى بتوزيع عماد الدهبي، فتستند إلى الذاكرة الملحونية وتمنح العرض هويته السمعية. وتزداد قيمتها حين ترتبط بالتحولات الدرامية، مع إمكانية مزيد من التكثيف في بعض المقاطع حتى تصبح الموسيقى امتدادا للفعل لا مجرد مرافقة له.
وتكمل أمنية الشرادي في تصميم الملابس، ورشيد الرميلي في تنفيذها، البعد الدلالي للعمل، خصوصا أن اللباس نفسه جزء من موضوع الحكاية. فيما تساهم إضاءة أنس أفيتج في تنظيم الصورة وتوجيه عين المتلقي داخل فضاء متعدد المستويات.
أداء جماعي ومنظومة تقنية.
يشتغل الممثلون داخل منظومة جماعية تتداخل فيها الحركة مع الموسيقى والسينوغرافيا، وهو ما يتطلب دقة في الانتقال بين التشخيص والفرجة.
ويظل الأداء، إلى جانب التصور الإخراجي والسينوغرافي، مرتبطا بمنظومة تقنية وإدارية يساهم فيها واصل اغناج في القمطر الفني، وعبد الحفيظ اد علي ومحمد علي اعراب في المحافظة والتقنيات، ومحمد الكرادي في الإدارة المالية، وأحمد باهي في العلاقات الخارجية.
خلاصة:
تنجح «ريح الديجور» في تحويل مادة شعبية وملحونية إلى مادة مسرحية معاصرة، دون أن تفقد صلتها بذاكرة الحكاية.
وتكمن خصوصية التجربة في تضافر الإخراج والسينوغرافيا والأداء والموسيقى لصناعة عالم يجمع بين الضحك والعجائبي والأسئلة الإنسانية.
وفي قلب كل ذلك يظل السؤال الذي تمنحه الحكاية قوتها:
يمكن أن ننحت الجسد، ويمكن أن نصنع الصورة، لكن لا يمكن أن ننحت إرادة الآخر.
ومن هنا تتجاوز «ريح الديجور» حكاية جنية خرجت من الخشب، لتصبح حكاية عن الإنسان حين يحاول امتلاك ما صنعه، وعن الإنسان حين يحاول الهروب من ماضيه، وعن الكائن الذي يطالب بحقه في أن يكون ذاتا لا ملكا.
وبهذا المعنى، فإن أمين غوادة لا يقدم الحكاية كما هي، بل يعيد تشكيلها فوق الخشبة، مستثمرا الخشب والجسد والموسيقى والكوميديا والحركة في بناء فرجة لها خصوصيتها.
عبد العزيز أوشنوك












