عز الدين كريران… المهندس الذي جعل خريبكة عاصمة للسينما الإفريقية

ادارة التحرير5 يونيو 2026آخر تحديث :
عز الدين كريران… المهندس الذي جعل خريبكة عاصمة للسينما الإفريقية

 اقلام واراء

 

برزت في الدورة السادسة والعشرين من المهرجان الدولي للسينما الإفريقية، التي تحتضنها مدينة خريبكة، منذ السبت الماضي، وحتى مساء يوم غد السبت، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمج الساج، شخصية سينمائية وازنة، تعد بحق العقل المدبّر والمهندس الحقيقي لهذه التظاهرة، ليس فقط في هذه الدورة، بل في مختلف دوراتها التي توجت بالنجاح والاستمرارية.

ويتعلق الأمر بالسينيفيلي والناقد السينمائي عز الدين كريران، مدير المهرجان، الذي يعود له الفضل الكبير في تحقيق مجموعة من الرهانات النوعية والمكتسبات المتراكمة، وكذا صونه، وثمينه، وتطوير هذا الحدث السينمائي ليحجز لنفسه مكانة مرموقة على الصعيدين القاري والدولي.

وقد راكم الأستاذ كريران هذا التميز بفضل مسار سينمائي طويل وحافل، انطلق منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث ظل يناضل من أجل السينما، مؤمناً بدورها الثقافي والحضاري، إلى أن بلغ المهرجان ما بلغه اليوم، رغم محدودية الدعم مقارنة مع مهرجانات كبرى، وهو ما يعكس حجم الجهود والمبادرات التي يقودها، خاصة في مجال الدبلوماسية الثقافية الموازية، وجعل السينما رافعة حقيقية للإشعاع الثقافي المغربي داخل القارة الإفريقية.

وسبق لعز الدين كريران أن ترأس لسنوات عدة النادي السينمائي بخريبكة، الذي يُعد من أقدم الأندية السينمائية بالمغرب(1934)، كما يعتبر عضواً بارزاً في مختلف المكاتب المسيرة للجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب منذ سنة 1992. وهو أيضاً رئيس فيدرالية المهرجانات الإفريقية وعضو مؤسس لها منذ سنة 2003.

وقد حظي كريران بالتكريم في عدة مهرجانات وطنية ودولية، وترأس العديد من لجان التحكيم، إلى جانب مشاركته في ندوات وإصدارات متعددة تُعنى بالشأن السينمائي.

لكل هذه الاعتبارات، يشكل كريران قيمة مضافة ومحورية داخل المهرجان، فهو القائد الهادئ، والمهندس الدقيق، الذي يسهر على أدق التفاصيل، ويعمل بصبر واحترافية على تذليل الصعاب وحل الإشكالات.

يتميّز عز الدين كريران بشخصية إنسانية ومهنية متكاملة، قوامها أخلاق رفيعة وهدوء لافت يبعث على الطمأنينة والثقة، إذ يشتغل بروح المسؤولية ونَفَس طويل دون ضجيج أو استعراض.

بابتسامته الدائمة وتواضعه الصادق، يختار أن يظل بعيدا عن الأضواء، مفضلا أن تتحدث إنجازاته عن نفسها، وهي كثيرة ومتنوعة، راكمها عبر مسار حافل بالعطاء والتفاني في خدمة السينما.

 فهو من طينة الرجال الذين يؤمنون بأن العمل الجاد هو السبيل الحقيقي للنجاح، وأن القيادة ليست في الواجهة، بل في القدرة على التأثير الإيجابي وصناعة الفارق من خلف الكواليس، وهو ما جعله يحظى باحترام واسع داخل الأوساط السينمائية والثقافية، وطنياً وقاريا. إنه بحق أحد أعمدة السينما المغربية والإفريقية، وصوت مؤثر في نجاح كل دورة من دورات هذا المهرجان العريق.

ولا يقف دور عز الدين كريران عند حدود التسيير الإداري للمهرجان، بل يتجاوز ذلك إلى رؤية استراتيجية عميقة، قوامها الحكمة والتراكم المعرفي، حيث استطاع عبر سنوات من العمل الجاد أن يرسّخ هوية خاصة للمهرجان، قائمة على الانفتاح، والاحترافية، والوفاء للسينما الإفريقية. هذه الرؤية مكنته من تحويل التحديات إلى فرص، وجعل من كل دورة خطوة إضافية نحو التميز والاستمرارية.

كما أن كريران، بما راكمه من خبرة طويلة في مجال التنظيم الثقافي والسينمائي، نجح في بناء فريق عمل منسجم ومتميز، يشتغل بروح جماعية عالية، ويؤمن بأهمية هذا الموعد الفني. فريق يعرف جيدا تفاصيل العمل المهرجاني، ويشتغل وفق رؤية واضحة، ما ينعكس إيجاباً على جودة البرمجة وحسن التنظيم، ويمنح المهرجان إشعاعاً خاصاً يميّزه عن باقي التظاهرات.

وفي انسجام تام مع الرؤية المتبصّرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الرامية إلى تعزيز الحضور الثقافي للمغرب داخل عمقه الإفريقي، وترسيخ جسور التعاون جنوب-جنوب، يواصل عز الدين كريران عمله على تطوير المهرجان كرافعة للدبلوماسية الثقافية الموازية.

 فمن خلال هذا الحدث السينمائي، تتحول خريبكة إلى منصة للتلاقي والحوار بين الشعوب الإفريقية، بما يعكس القيم المشتركة ويعزز الانفتاح والتبادل الثقافي. وهي مقاربة تنسجم مع التوجهات الكبرى للمملكة في جعل الثقافة والفنون جسراً للتواصل والتقارب، ووسيلة لترسيخ مكانة المغرب كفاعل أساسي في محيطه الإفريقي.

وقد استطاع هذا المسار المتكامل أن يجعل من مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية موعداً سنوياً ثابتاً، ينتظره عشاق الفن السابع بشغف، حيث تتحول المدينة إلى فضاء مفتوح للإبداع والتلاقي الثقافي، والى عاصمة رمزية للسينما الإفريقية، بفضل هذا النفس القيادي الذي يقوده كريران بثبات وإصرار.

وفي هذا الإطار، يشكل المهرجان منصة حقيقية لالتقاء المبدعين من مختلف ربوع القارة، على أرض مغربية تحتفي بالفن والجمال، وتعزز روح الإبداع السينمائي الحالم، وهو ما يعكس نجاح كريران في جعل السينما لغة مشتركة للتواصل والتقارب، وجسراً ثقافياً يعبر بالقيم الإنسانية نحو آفاق أرحب من التعاون والتبادل الفني.

 

المصطفى الصوفي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة