تواصل “ملتقيات منتصف الليل” تأكيد مكانتها كواحدة من أهم الفقرات الفكرية والثقافية ضمن برنامج المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، ذلك التقليد الراسخ الذي أرسى أسسه الناقد والمفكر السينمائي الراحل نور الدين الصايل، إيماناً منه بأن السينما ليست مجرد فن للفرجة، بل مجال رحب للتفكير والنقاش وإنتاج المعرفة. وقد أصبحت هذه اللقاءات فضاءً مفتوحاً للحوار بين السينمائيين والباحثين والنقاد والجمهور، حيث تتقاطع الأفكار والتجارب حول مختلف القضايا المرتبطة بالصناعة السينمائية.
وفي هذا الإطار، احتضن فضاء الأخوين بمدينة خريبكة سهرة فكرية متميزة خصصت لموضوع “دور الأخصائي النفسي في كتابة السيناريو”، وذلك ضمن فعاليات الدورة السادسة والعشرين للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية، التي تتواصل أنشطتها بحضور نخبة من المبدعين والمهنيين والمهتمين بالشأن السينمائي من داخل المغرب وخارجه.
وشكل اللقاء مناسبة لاستحضار العلاقة الوثيقة التي تجمع بين علم النفس والكتابة الدرامية، حيث ناقش المشاركون أهمية توظيف المقاربة النفسية في بناء الشخصيات السينمائية وصياغة مساراتها الدرامية. وأكد المتدخلون أن نجاح أي عمل سينمائي يمر عبر فهم عميق للدوافع النفسية التي تحرك الشخصيات وتوجه اختياراتها داخل الأحداث.
كما أبرزت المداخلات أن الأخصائي النفسي يمكن أن يشكل قيمة مضافة حقيقية خلال مراحل تطوير السيناريو، من خلال المساهمة في رسم ملامح الشخصيات وتحديد ردود أفعالها وانفعالاتها بطريقة أكثر واقعية ومصداقية. ويساعد هذا التوجه على تقديم نماذج إنسانية قريبة من الواقع، بعيدة عن التبسيط أو التنميط الذي قد يفقد العمل الفني جزءاً من قوته وتأثيره.
وتطرق النقاش كذلك إلى عدد من التجارب السينمائية التي استفادت من الاستشارة النفسية في معالجة مواضيع حساسة ومعقدة، كالصدمات النفسية والاضطرابات السلوكية والعلاقات الأسرية المتوترة، حيث يساهم هذا التعاون في تقديم صورة أكثر دقة واحتراماً للحالات الإنسانية التي تتناولها الأفلام.
وعرفت الأمسية تفاعلاً ملحوظاً من قبل الحاضرين، الذين أغنوا اللقاء بمداخلاتهم وأسئلتهم وملاحظاتهم، مما منح النقاش بعداً تشاركياً وجعل الورشة فضاءً حقيقياً لتبادل الخبرات ووجهات النظر. وقد ساهم هذا التفاعل في توسيع دائرة النقاش لتشمل رهانات الكتابة السينمائية المعاصرة وعلاقتها بالعلوم الإنسانية.
وأجمع المتدخلون على أن السيناريو الناجح لا يقتصر على حبكة متماسكة أو حوار متقن، بل يعتمد أيضاً على القدرة على النفاذ إلى أعماق النفس البشرية وفهم تناقضاتها وتحولاتها. فكلما كانت الشخصيات مكتوبة بوعي نفسي أكبر، ازدادت قدرتها على التأثير في المتلقي وإثارة تعاطفه وانخراطه الوجداني مع الأحداث.
واختتم اللقاء في أجواء اتسمت بروح الحوار والانفتاح، وسط إشادة واسعة بمستوى النقاشات التي ميزت هذه السهرة الفكرية. وأكد المشاركون أن ملتقيات منتصف الليل تواصل أداء دورها الثقافي والمعرفي داخل المهرجان، محافظة على الإرث الفكري الذي تركه نور الدين الصايل، ومكرسة مكانة المهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة كمنصة للتفكير في قضايا السينما والإنسان والمجتمع إلى جانب الاحتفاء بالإبداع السينمائي الإفريقي.
م صوفي












