بقلم المصطفى متوكل
تأتي ذكرى المسيرة الخضراء المظفرة هذه السنة في سياق تاريخي ودبلوماسي بالغ الأهمية، يجعل الاحتفال بها مناسبة لاستحضار واحدة من أعظم المحطات في تاريخ المغرب الحديث، واستحضار ما راكمته المملكة المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، من تحولات ومكاسب في مسار الدفاع عن وحدتها الترابية وقضيتها الوطنية الأولى
فالمسيرة الخضراء لم تكن مجرد حدث تاريخي عابر، بل كانت ملحمة وطنية جسدت عبقرية المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، حين استطاع أن يوحد المغاربة حول هدف وطني نبيل، وأن يجعل من الإيمان بالوطن والتلاحم بين العرش والشعب قوة سلمية في استرجاع الأقاليم الصحراوية. فقد خرج مئات الآلاف من المواطنات والمواطنين، حاملين المصاحف والأعلام الوطنية، في مسيرة سلمية أبهرت العالم، وأثبتت أن إرادة الشعوب قادرة على صناعة التاريخ بالحكمة والإيمان والوحدة.
واليوم، ونحن نستحضر هذه الذكرى المجيدة، نجد أنفسنا أمام تطور جديد في ملف الصحراء المغربية، يتمثل في عدم تجديد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ولاية بعثة المينورسو، بعد انتهاء مهمتها في 31 أكتوبر 2026، وما أعقب ذلك من إعلان بدء مرحلة إنهاء عمليات البعثة وانسحابها بشكل منظم. وهو تطور جاء بعد 35 سنة من وجودها، ليشكل منعطفاً جديداً في تدبير هذا الملف.
المسيرة الخضراء.. مدرسة في الوطنية والتلاحم
إن أعظم ما يمكن أن نستخلصه من المسيرة الخضراء هو أن قوة المغرب تكمن في وحدته، وفي التلاحم المتين بين العرش والشعب، وفي قدرته على مواجهة التحديات بروح المسؤولية والإيمان بعدالة قضاياه.
وإذا كانت المسيرة الخضراء قد جسدت بالأمس إرادة المغاربة في استرجاع أرضهم، فإن مسؤولية الأجيال الحالية تتمثل في مواصلة المسيرة من خلال البناء والتنمية والإنتاج، والدفاع عن الوطن بالعلم والثقافة والاقتصاد والإعلام والدبلوماسية.
كما أن الاحتفال بهذه الذكرى ينبغي ألا يقتصر على استحضار الأمجاد التاريخية والخطب الوطنية، بل يجب أن يكون مناسبة لتجديد الالتزام بخدمة المواطن ومحاربة الفقر والبطالة والهشاشة، وتحقيق العدالة المجالية، والاهتمام بالشباب، وتوفير شروط العيش الكريم لجميع المغاربة، من طنجة إلى الكويرة.
فالوحدة الترابية ليست فقط قضية حدود وجغرافيا، بل هي أيضاً مسؤولية جماعية تتطلب مواطنة حقيقية، وتضامناً اجتماعياً، وتنمية شاملة، ومؤسسات تقوم بواجبها في خدمة الوطن والمواطن.
مغرب الأمس ومغرب اليوم.. مسيرة متواصلة
إن الربط بين ذكرى المسيرة الخضراء وهذا التحول المرتبط بإنهاء مهمة المينورسو يحمل دلالات تاريخية وسياسية عميقة. فالمغرب الذي واجه تحديات الماضي بإرادة شعبه، يواصل اليوم الدفاع عن وحدته الترابية بأدوات الدبلوماسية والحوار والتنمية، مستنداً إلى رؤية ملكية جعلت من القضية الوطنية الأولى أولوية ثابتة في السياسة الخارجية للمملكة.
إنها مناسبة لاستحضار حكمة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، وتجديد الاعتزاز بالقيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، الذي يواصل العمل من أجل تثبيت مكانة المغرب وتعزيز حضوره إقليمياً ودولياً.
وستظل المسيرة الخضراء مدرسة للأجيال في التضحية والوطنية والتلاحم، وستظل الوحدة الترابية للمملكة مسؤولية الجميع، حكومة وأحزاباً ومعارضة ومجتمعاً مدنياً وإعلاماً ومواطنين داخل الوطن وخارجه
فالمغرب لا يحتفل فقط بذكرى تاريخية مجيدة، بل يستحضر مسيرة وطن مستمرة، عنوانها الوحدة والسيادة والتنمية، وغايتها بناء مغرب قوي ومتضامن، ينعم فيه جميع أبنائه بالأمن والكرامة والعدالة الاجتماعية.
من تدبير النزاع إلى مرحلة جديدة من الحسم الدبلوماسي:
إن عدم تجديد ولاية المينورسو، وما ترتب عنه من بدء إجراءات إنهاء مهمتها، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات التي عرفتها الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة. فقد اختار المغرب، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، الانتقال من مجرد تدبير نزاع طال أمده إلى العمل على تغيير المعطيات السياسية والدبلوماسية التي ظلت تؤطر هذا الملف لعقود.
وقد أكد بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر 2026 أن هذا التطور يشكل خطوة مهمة نحو إغلاق ملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة، مع التأكيد على استمرار التزام المملكة بوقف إطلاق النار وصيانة أمنها واستقرارها
ومن بين الإيجابيات التي يمكن أن تترتب عن هذه المرحلة الجديدة:
أولاً: إنهاء مرحلة استمرت 35 سنة دون تحقيق الهدف الأساسي الذي أُنشئت من أجله البعثة. فقد ظلت المينورسو حاضرة منذ سنة 1991، دون أن يتم تنظيم الاستفتاء الذي كان من بين أهداف تأسيسها، الأمر الذي جعل استمرار الوضع السابق محل نقاش سياسي ودبلوماسي متواصل.
ثانياً: فتح المجال أمام مقاربة سياسية جديدة. فالمغرب يسعى إلى تجاوز منطق الانتظار وإعادة طرح مبادرته للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها إطاراً للحل السياسي، مستنداً إلى ما يعتبره تطوراً مهماً في مواقف عدد كبير من الدول المؤيدة لهذا المقترح.
ثالثاً: تعزيز مسؤولية الأطراف المعنية في البحث عن حل سياسي واقعي. إذ إن المرحلة المقبلة تقتضي الابتعاد عن منطق الجمود والتصعيد، والتوجه نحو الحوار الجاد والمسؤول بما يضمن الاستقرار الإقليمي ويحفظ كرامة جميع المعنيين بهذا النزاع.
تجدر الإشارة أيضاً إلى أن جلالة الملك ترأس يوم 4 نونبر 2026 جلسة عمل خُصصت لمتابعة المرحلة التي تلي انتهاء مهمة المينورسو؛ حيث شدد على حماية الوحدة الترابية والأمن الوطني وطمأنينة ساكنة الأقاليم الجنوبية، ومواصلة مشاريع التنمية، مع تكليف مكتب التنسيق مع المينورسو بوزارة الداخلية بمواكبة عملية سحب البعثة وتصفية مهامها في إطار التعاون مع الأمم المتحدة، مع التأكيد على التمسك بوقف إطلاق النار واحترام الالتزامات الدولية.
وتكتسي هذه التوجيهات أهمية خاصة في ارتباطها بوحدة الوطن؛ فالدفاع عن الوحدة الترابية لا ينفصل عن بناء مغرب قوي ومتضامن، تتوفر فيه الأقاليم والجهات على شروط التنمية وفرص الاستثمار والشغل والخدمات الأساسية. كما أن تنمية الأقاليم الجنوبية، وتعزيز بنياتها التحتية، وتحسين ظروف عيش ساكنتها، تظل من الركائز العملية لترسيخ الارتباط بالأرض وتجسيد الوحدة الوطنية في واقع الحياة اليومية للمواطنين.
وهكذا، فإن الرسالة الملكية واضحة في مضمونها: صيانة السيادة الوطنية مسؤولية متواصلة، كما أن التنمية والعدالة المجالية وإدماج الشباب وتحسين ظروف عيش المواطنين مسؤوليات لا تقل أهمية، وهي جميعاً مكونات متكاملة لمغرب قوي وموحد
إن الرسالة التي يحملها هذا التحول الذي فرضه المغرب هي أن المملكة ماضية في الدفاع عن وحدة أراضيها وسيادتها، بمختلف الوسائل المشروعة، دبلوماسياً وسياسياً وتنموياً وأمنياً، مع التأكيد على أن حماية التراب الوطني لا تستثني أي جزء منه، بما في ذلك المنطقة العازلة، في إطار احترام الالتزامات الدولية وصيانة الأمن والاستقرار ووقف إطلاق النار.
وهكذا، فإن المغرب الذي خرج بالأمس في مسيرة خضراء سلمية حاملاً المصاحف والأعلام، يواصل اليوم مسيرته بثبات وثقة، مستنداً إلى قوة مؤسساته ووحدة شعبه ورؤية جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
لقد انتهت مرحلة المينورسو، وبدأت مرحلة جديدة من الدفاع عن الوحدة الترابية، عنوانها السيادة الوطنية، ووحدة الأرض، والتنمية، والاستقرار. فالمغرب لا يساوم على وحدته، ولا يتخلى عن أي شبر من ترابه.
حفظ الله المغرب، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأقر عين جلالة الملك محمد السادس نصره الله بولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة.
عاش المغرب موحداً من طنجة إلى الكويرة













