بعد نتائج انتخابات المجلس الوطني للصحافة.. هل حان الوقت لإنصاف الصحافي؟

ادارة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
بعد نتائج انتخابات المجلس الوطني للصحافة.. هل حان الوقت لإنصاف الصحافي؟

اقلام واراء

 

أفرزت انتخابات ممثلي الصحافيين المهنيين بالمجلس الوطني للصحافة، التي جرت يوم 15 شتنبر 2026، انتخاب سبعة أعضاء يمثلون هذه الفئة، في استحقاق مهني جسّد الثقة التي حظي بها المنتخبون، ورسّخ حضور الكفاءات الصحافية القادرة على الاضطلاع بمسؤولية التمثيل والدفاع عن قضايا المهنة والارتقاء بها.

لكن خلف هذا الاستحقاق الانتخابي، تطرح الصحافة المغربية تحديا أكبر بكثير: ماذا بعد الانتخابات؟  حيث من الضرويري، ان يقدم المجلس المقبل ما يصبو اليه للصحافي، الذي يشتغل لسنوات طويلة في ظروف صعبة، ويجد نفسه في مواجهة أجور محدودة، وامتيازات اجتماعية هشة، وغياب أو ضعف بعض آليات الحماية الاجتماعية، ثم يصل إلى مرحلة التقاعد مثقلاً بالقلق بدل أن يصل إليها مرفوع الرأس؟ إنها أسئلة لا ينبغي أن تبقى مؤجلة، لأن كرامة الصحافي ليست امتيازاً، بل جزء من كرامة المهنة نفسها.

لقد ترسخت لدى جزء من الرأي العام صورة مفادها أن الصحافي(ة) يعيش حياة مريحة لمجرد أنه يظهر أمام الكاميرا أو يحمل بطاقة مهنية. غير أن واقع المهنة، كما يرويه عدد من المهنيين، قد يكون مختلفاً تماماً: صحافيون يواجهون ضغوطاً مهنية واجتماعية، وأجوراً لا تتناسب دائماً مع طبيعة المسؤولية، وقلقاً مستمراً بشأن المستقبل، خصوصاً بالنسبة إلى من أمضوا عقوداً في المهنة ثم وجدوا أنفسهم أمام تقاعد لا يوفر لهم دائماً مستوى العيش الذي كانوا يتطلعون إليه. وهذه القضايا تستحق نقاشاً مؤسسياً جدياً بعيداً عن التعميم، وعن تحويل معاناة الصحافيين إلى مجرد شكاوى فردية.

المطلوب من المجلس المقبل ليس فقط تدبير المهنة، وإنما جعل كرامة الصحافي في صلب أولوياته. فالقانون يمنح المجلس أدواراً في التنظيم الذاتي للقطاع، وإبداء الرأي في القضايا المرتبطة بالمهنة، والمساهمة في تطوير القطاع، كما ينص الإطار القانوني للمجلس على ممارسة الوساطة في النزاعات القائمة بين المهنيين أو بينهم وبين الأغيار. وهذا يفتح المجال أمام المجلس ليكون قوة اقتراح ووساطة ومرافعة مؤسساتية من أجل تحسين شروط ممارسة المهنة، مع احترام حدود اختصاصاته القانونية، بدل أن يظل الصحافي وحيداً أمام اختلالات قد تكون مرتبطة بعقد العمل أو الأجر أو الحماية الاجتماعية.

والرسالة اليوم واضحة: لا قيمة لصحافة قوية إذا كان الصحافي نفسه يشعر بالهشاشة. ولا يمكن الحديث عن سلطة رابعة ذات حضور وتأثير، فيما بعض العاملين فيها يعانون من أوضاع مادية واجتماعية  قاسية وصعبة. لذلك، فإن المجلس المقبل مطالب بأن يضع ملف الأوضاع الاجتماعية والمهنية للصحافيين في صدارة أجندته، وأن يعمل على إنتاج افكار وبرامج مستعجلة حول الأجور والحماية الاجتماعية والتقاعد والتكوين والاستقرار المهني، وأن يفتح حواراً جدياً مع المؤسسات الصحافية والهيئات النقابية والجهات الحكومية المعنية.

والأهم أن يشعر الصحافي بأن المؤسسة التي يفترض أن تمثله تسمع صوته عندما يكون ضعيفاً، لا فقط عندما يكون حاضراً في الواجهة. فهناك صحافيون أمضوا أعمارهم في خدمة الكلمة والصورة والخبر، وقد يغادرون المهنة بعد سنوات طويلة وفي نفوسهم أسئلة مؤلمة حول ما قدموه وما حصلوا عليه في المقابل. إنصاف هؤلاء لا يعني الوقوف ضد المؤسسات الصحافية أو الناشرين، وإنما يعني بناء توازن مهني عادل يحفظ للمقاولة الإعلامية استمراريتها، وللصحافي حقوقه وكرامته.

المطلوب اليوم من المجلس الجديد ليس خطابات احتفالية ولا بيانات موسمية، وإنما عمل مؤسساتي ملموس، واستعمال فعّال للصلاحيات القانونية، ووساطة جادة، ودراسات واقتراحات قابلة للتنفيذ، ودفاع مؤسساتي عن شروط ممارسة المهنة. وإذا كان القانون الجديد لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة يؤكد أهمية استقلالية التنظيم الذاتي ومكانة المهنة، فإن الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما يواجه المجلس ملفات الصحافيين اليومية، لا عندما تنتهي الانتخابات.

فالصحافة لا تُقاس فقط بما تكتبه الأقلام، وإنما أيضاً بما توفره من كرامة لمن يمسك تلك الأقلام. ومن أجل صحافة قوية وكريمة، لا بد أولاً من صحافي قوي ومحمي ومحترم…هنيئا لكل الفائزين، نحن منكم واليكم ومعكم، ومعا جميعا من اجل مستقبل صحافي مغربي زاهر.

 

احمد الوردي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة