يشكل فيلم “نهاية أخرى” للمخرج المغربي طارق رسمي تجربة سينمائية لافتة داخل المشهد المغربي المعاصر، ليس فقط بسبب تتويجه بالجائزة الكبرى في مسابقة الفيلم القصير بالدورة السادسة والعشرين للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة، وإنما أيضاً بسبب اختياراته الجمالية والفكرية التي تنحاز إلى لغة الصورة أكثر من انحيازها إلى الحكاية، وإلى التعبير البصري أكثر من اعتمادها على الحوار والتفسير المباشر.
ينتمي الفيلم إلى ما يمكن تسميته بـ”سينما الاقتصاد التعبيري”، وهي السينما التي تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من الأثر الدرامي بأقل قدر من الوسائل السردية. فالحكاية في ظاهرها بسيطة: أخ يرعى أخاه المريض والمنهك بفعل الشيخوخة والعجز الجسدي. غير أن الفيلم لا يتعامل مع هذه العلاقة بوصفها موضوعاً اجتماعياً أو عائلياً فحسب، بل يحولها إلى سؤال وجودي يتعلق بالهشاشة الإنسانية وحدود الاحتمال أمام الألم والوحدة والزمن.
منذ المشاهد الأولى، يعلن المخرج انحيازه إلى الصورة باعتبارها حاملاً أساسياً للمعنى. فالكلمات تكاد تغيب تماماً، لتحل محلها شبكة معقدة من العلامات البصرية التي تنتج دلالاتها من خلال الضوء والظل، وحركة الجسد، والفضاء المغلق، والعلاقة بين الشخصيات ومحيطها. وهنا لا يصبح الصمت غياباً للكلام، بل يتحول إلى لغة كاملة قائمة بذاتها. إننا أمام صمت يحمل كثافة درامية عالية، ويتيح للمتلقي المشاركة في إنتاج المعنى بدلاً من تلقيه جاهزاً.
يمكن قراءة الفيلم ضمن ما يعرف في الدراسات السينمائية بـ”السينما التأملية”، حيث يتراجع الحدث لصالح الإحساس، وتتقلص الحبكة لصالح التجربة الشعورية. فالمخرج لا يسعى إلى إثارة التشويق التقليدي أو المفاجأة السردية، بل يركز على بناء حالة نفسية متواصلة تجعل المشاهد يعيش مع الشخصيتين وطأة الزمن وثقل المعاناة اليومية. ولذلك فإن الإيقاع البطيء للفيلم لا يمثل خياراً تقنياً فقط، بل يشكل جزءاً من بنيته الفكرية والجمالية؛ فالبطء هنا يعكس بطء التدهور الجسدي والنفسي، ويجسد الإحساس بالاستنزاف المستمر الذي تعيشه الشخصيات.
من أبرز عناصر القوة في الفيلم توظيفه للعتمة بوصفها عنصراً درامياً لا مجرد خيار بصري. فالظلام لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يتحول إلى مكون دلالي يعبر عن الحالة النفسية للشخصيات. تبدو الفضاءات الداخلية محاصرة بالظلال، فيما تتحول النوافذ إلى منافذ رمزية بين الداخل والخارج، بين الرغبة في الانفلات وواقع العجز والاختناق. وهكذا تصبح العتمة شكلاً بصرياً للوحدة والعزلة والخوف من المصير.
إن العلاقة بين الضوء والظلام في الفيلم تستحضر تقاليد فنية عريقة تمتد من الرسم الكلاسيكي إلى السينما الحديثة، حيث يصبح الضوء كاشفاً للهشاشة الإنسانية، بينما يؤدي الظلام وظيفة الإخفاء والتوتر والتهديد المستمر. وفي هذا السياق ينجح مدير التصوير في بناء صورة سينمائية تتجاوز التسجيل الواقعي لتصبح حاملة لمعنى نفسي عميق.
أما الكاميرا فتتجنب الاستعراض التقني والحركات المعقدة، مفضلة اللقطات الثابتة والزوايا المدروسة بعناية. ويعزز هذا الاختيار الإحساس بالاختناق والجمود الذي تعيشه الشخصيات. فالمكان يبدو وكأنه يغلق أبوابه تدريجياً على أبطاله، فيما تتقلص إمكانيات الحركة كما تتقلص إمكانيات الخلاص. إن الكادر نفسه يتحول إلى فضاء ضاغط يشارك في صناعة الدراما بدل أن يكون مجرد وعاء لها.
ويبرز المونتاج بدوره كعنصر أساسي في بناء المعنى. فالإيقاع الهادئ لا يهدف إلى تسريع الأحداث أو خلق الإثارة، بل يسمح بتراكم التوتر النفسي بصورة تدريجية. ومع غياب الموسيقى التصويرية تقريباً، يصبح للصمت والأصوات الطبيعية دور محوري في تشكيل التجربة السمعية للفيلم. فصوت الخطوات، والتنفس، وحركة الأجساد داخل المكان، تكتسب قيمة درامية مضاعفة، وتساهم في بناء عالم الفيلم الداخلي.
على مستوى الأداء التمثيلي، يعتمد الفيلم على التعبير الجسدي أكثر من اعتماده على الحوار. وقد نجح الممثلان في نقل المشاعر المعقدة للشخصيتين من خلال نظراتهما وحركاتهما المحدودة وتعابير وجهيهما. وهو أداء ينسجم تماماً مع الرؤية العامة للفيلم التي تراهن على الإيحاء بدلاً من التصريح، وعلى التعبير بدل الشرح.
فلسفياً، يطرح الفيلم سؤالاً جوهرياً حول العلاقة بين الرعاية والمعاناة. فالأخ الذي يتكفل بأخيه لا يظهر بطلاً بالمعنى التقليدي، بل إنساناً منهكاً بدوره، يعيش شكلاً آخر من أشكال الألم. ومن هنا تتجاوز الحكاية بعدها العائلي لتصبح تأملاً في عبء المسؤولية الإنسانية عندما تتحول المحبة نفسها إلى اختبار قاسٍ للقدرة على الاحتمال.
إن فيلم “نهاية أخرى” لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يفتح مساحة واسعة للتأويل. وهذه إحدى أهم نقاط قوته. فالفيلم لا يفرض معنى واحداً على متلقيه، وإنما يترك المجال مفتوحاً أمام قراءات متعددة تتراوح بين الاجتماعي والنفسي والوجودي. ولذلك فإن قيمته لا تكمن في ما يرويه فقط، بل في الطريقة التي يرويه بها.
لقد نجح طارق رسمي في تقديم عمل يؤكد نضج رؤيته الفنية وقدرته على بناء عالم بصري متماسك يقوم على الصمت والعتمة والاقتصاد التعبيري. ومن خلال هذا الفيلم يثبت أن السينما القصيرة ليست مجرد مرحلة انتقالية نحو الفيلم الطويل، بل فضاء إبداعي مستقل قادر على إنتاج أعمال ذات كثافة فنية وفكرية عالية. ولهذا يبدو تتويج فيلم “نهاية أخرى” في مهرجان خريبكة تتويجاً مستحقاً لفيلم استطاع أن يحول الحكاية البسيطة إلى تجربة إنسانية عميقة، وأن يجعل من الصمت لغة، ومن العتمة رؤية، ومن الهشاشة الإنسانية موضوعاً جمالياً وفلسفياً بالغ التأثير.
بوشعيب المسعودي












