رواية “الحفرة” للمخرج والكاتب المغربي إدريس الروخ على قناة تلفزيون العربي

ادارة التحريرمنذ ساعتينآخر تحديث :
رواية “الحفرة” للمخرج والكاتب المغربي إدريس الروخ على قناة تلفزيون العربي

في هذه الحلقة من ضفاف يتم تسليط الضوء على رواية “الحفرة” للمخرج والكاتب المغربي إدريس الروخ، ونقاش حول أسرار القراءة في الصيف…وفي هذا السياق وفي اجوءا الصيف والاستجمام والقراءة في الصيف، سيتم استضافة الفنان الكاتب ادريس الروخ من قبل النادي السينمائي لمؤسسةـ ضمن كرنفال تطوان للدراما والإبداع بمدينة مرتيل، في أمسية ثقافية وسينمائية، وذلك يوم الجمعة 14 غشت 2026، ابتداءً من الساعة السابعة مساءً، بالمركز الثقافي مرتيل.

وتعتبر رواية «الحفرة» للكاتب والمخرج المغربي إدريس الروخ، الصادرة عن مطبعة ووراقة بلال، تجربة سردية جديدة تكشف عن تحول لافت في مساره الإبداعي، وتؤكد رغبته في ترسيخ حضوره داخل المشهد الأدبي، بعد تجربة فنية امتدت إلى المسرح والسينما. وبمقدمة للكاتب وليد سيف، تفتح الرواية مسارات سردية تنفذ إلى أعماق النفس البشرية، وتلامس أسئلة الذاكرة والهوية والاختيار والوجود، من خلال حكاية مكثفة تدور أحداثها في ليلة واحدة بمدينة مكناس.

ويأتي هذا العمل امتداداً لتجربة الروخ الروائية السابقة «رداء النسيان»، التي قاربت تخوم السيرة الذاتية، واستحضرت ثنائية الذاكرة والحنين بين مكناس والرباط. غير أن «الحفرة» تبدو أكثر ميلاً إلى التجريب، سواء على مستوى البناء الفني أو في طبيعة القضايا التي تطرحها، إذ ينتقل الكاتب من استعادة الماضي إلى مساءلة الحاضر، ومن استحضار الذاكرة إلى الغوص في المناطق المعتمة للنفس الإنسانية.

وتدور أحداث الرواية خلال ليلة واحدة بمدينة مكناس، حين تقرر البطلة «سعاد» مغادرة منزلها في رحلة تبدو في بدايتها عادية، قبل أن تنفتح تدريجياً على مسارات نفسية ووجودية معقدة. فالزمن المحدود لا يضيّق فضاء الحكاية، وإنما يمنحها كثافة درامية لافتة، بحيث يصبح كل حدث وكل لقاء وكل فضاء حاملاً لدلالة تتجاوز ظاهره.

ومن خلال رحلة سعاد، ينتقل القارئ بين عدد من الفضاءات، من الشارع وعوالم الليل إلى مرسم فنان تشكيلي، في بناء سردي تتداخل فيه الواقعية بالمتخيل، والحاضر بالماضي، والوعي بالذاكرة. وتتحول التفاصيل اليومية إلى بوابات لاستعادة تجارب قديمة، بينما تظل الشخصية الرئيسية في مواجهة مستمرة مع أسئلتها الداخلية ومخاوفها واختياراتها.

وفي هذا السياق، لا تظهر مكناس مجرد خلفية تجري فوقها الأحداث، وإنما تتحول إلى شخصية سردية قائمة بذاتها؛ مدينة تتنفس مع الشخصيات، وتحمل آثار الماضي، وتعكس تحولات الحاضر. فالأمكنة التي تعبرها سعاد تصبح امتداداً لحالتها النفسية، فيما تكشف المدينة، من خلال أزقتها وفضاءاتها الليلية وذاكرتها، عن علاقة معقدة بين الإنسان والمكان.

ويمنح الروخ للمكان وظيفة درامية واضحة، إذ تصبح المدينة مرآة لأسئلة الهوية والانتماء والتحول الاجتماعي. ومن خلال هذا الاشتباك بين الفردي والجماعي، لا تكتفي الرواية بتقديم حكاية امرأة تخوض رحلة في ليل مكناس، بل تفتح الباب أمام قراءة أوسع لواقع إنساني واجتماعي تتغير ملامحه باستمرار، وتصبح فيه الأسئلة حول المعنى والانتماء والمصير أكثر إلحاحاً.

أما «الحفرة»، التي تحمل الرواية اسمها، فتتجاوز معناها الحرفي لتتحول إلى رمز مركزي في العمل. إنها حفرة داخلية قبل أن تكون مكاناً أو حالة خارجية؛ رمز للسقوط النفسي، وللضياع الذي قد يجد الإنسان نفسه عالقاً فيه نتيجة اختيارات خاطئة أو ضغوط الحياة أو تراكمات الماضي. ومن هنا تكتسب الرواية بعدها النفسي، وهي تقترب من مناطق العزلة والقلق والانكسار والشعور باللاجدوى، من دون أن تغلق أبوابها أمام إمكانية الخلاص.

وتبدو اللغة في «الحفرة» مشبعة بنبرة شعرية داكنة، تعتمد على تكثيف الصورة والوصف، وعلى جمل تحمل في ظاهرها بساطة السرد، بينما تخفي وراءها أسئلة أكثر عمقاً. ويحرص الروخ على الاقتراب من التجربة الإنسانية دون الوقوع في خطاب مباشر أو وعظي، مانحاً شخصياته مساحة للتحرك والتردد والخطأ والانكسار، ثم البحث عن معنى جديد لما تعيشه.

ولا تخفي الرواية، في بنائها وإيقاعها، أثر التجربة السينمائية للكاتب والمخرج إدريس الروخ. فالمشاهد تبدو في كثير من الأحيان وكأنها مصممة بعين كاميرا، والفضاءات محددة ومكثفة، والشخصيات تتحرك داخل زمن ضاغط، بينما تتقدم الأحداث من خلال لحظات بصرية متتابعة. غير أن السينما هنا لا تطغى على الرواية، بل تتحول إلى رافد جمالي يثري السرد ويمنحه إيقاعاً خاصاً.

وبذلك، تضع «الحفرة» إدريس الروخ أمام تحدٍ جديد داخل مشروعه الإبداعي، حيث يواصل الانتقال بين الفنون دون أن يفقد خصوصية كل وسيط تعبيري. فإذا كانت السينما تمنحه الصورة والحركة، فإن الرواية تتيح له مساحة أوسع للغوص في الوعي والذاكرة والهواجس، ولبناء عوالم لا تستطيع الصورة وحدها احتواءها.

وفي المحصلة، تبدو «الحفرة» أكثر من مجرد تجربة روائية جديدة في مسار إدريس الروخ؛ إنها محاولة للحفر في الطبقات الخفية للإنسان، وفي العلاقة الملتبسة بين الذاكرة والمكان والحاضر. وبين مكناس التي تحمل أثقال الماضي، وسعاد التي تبحث عن مخرج من متاهتها الداخلية، ينسج الروخ حكاية عن السقوط بقدر ما هي حكاية عن الرغبة في النجاة، مؤكداً أن الرواية يمكن أن تكون، في جوهرها، رحلة إلى أعماق الذات بقدر ما هي رحلة في جغرافيا المكان.

مصطفى الصوفي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة