اقلام واراء
الإعلامية نادية الصبار
أثار إعفاء ماديحة خيير من مهامها الوزارية، بعد يومين فقط من تعيينها، نقاشاً واسعاً بشأن معايير اختيار المرشحين للاستوزار، وحدود مسؤولية الأحزاب عن الأسماء التي تقترحها، ومدى نجاعة إجراءات التحقق التي تسبق إسناد المسؤوليات العمومية.
ومن منظور علم السياسة، لا يمكن فهم هذه الواقعة بالاقتصار على الجدل الذي رافق اسم الوزيرة السابقة، أو اعتبار القرار مجرد استجابة لمعطيات أثارت انتباه الرأي العام. فالمسألة تستدعي العودة إلى المرحلة السابقة على التعيين، حيث تتشكل الاختيارات السياسية، وتتوزع الصلاحيات بين القيادة الحزبية والهيئات التنظيمية، قبل أن تنتقل نتائجها إلى مستوى القرار الحكومي والمؤسسات الدستورية.
ومن هنا، لا يتعلق السؤال بأسباب الإعفاء وحدها، بل بكيفية وصول اسم المرشحة إلى التشكيلة الحكومية، والمعايير التي حكمت اختيارها، والجهات التي شاركت في اتخاذ القرار، وحدود المسؤولية السياسية لكل منها. كما يطرح النقاش مسألة إسناد المسؤولية إلى المؤسسات الأمنية، ومدى استناد هذا الإسناد إلى وقائع موثوقة تحدد طبيعة اختصاصاتها وصلتها بالملف.
في محاضرته الشهيرة حول السياسة بوصفها حرفة، ميّز عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بين أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية. ويكتسب هذا التمييز أهمية في تحليل القرارات السياسية، إذ لا تتحدد المسؤولية في النوايا المعلنة فحسب، بل تشمل أيضاً مراعاة العواقب المتوقعة للقرارات، والاستعداد لتحمل تبعاتها في ضوء الظروف والمعطيات المتاحة.
وعند استحضار هذا المنظور في قراءة واقعة إعفاء ماديحة خيير، ينتقل النقاش من تقييم النتيجة النهائية إلى مساءلة المسار الذي أفضى إلى الاختيار، ومدى قدرة الجهات المعنية على تقدير المخاطر المحتملة قبل إعلان التعيين. غير أن وقوع أزمة بعد اتخاذ قرار سياسي لا يثبت، في حد ذاته، أن الاختيار السابق كان خاطئاً؛ إذ يظل التقييم مرتبطاً بما كان متاحاً من معلومات عند اتخاذ القرار، وبكيفية التعامل معها.
فالأحزاب السياسية لا تؤدي وظيفة انتخابية فحسب، بل تضطلع أيضاً بدور أساسي في إعداد النخب وتقديم المرشحين لتولي المسؤوليات العمومية. ومن ثم، فإن مسؤوليتها لا تنحصر في اقتراح الأسماء، بل تشمل وضوح معايير الاختيار، واحترام المساطر التنظيمية، والقدرة على تفسير القرارات التي تتخذها قياداتها في هذا المجال.
ولا يعني ذلك أن كل إعفاء أو أزمة لاحقة يكشفان بالضرورة عن تقصير حزبي، أو أن الجهة التي اقترحت المرشح تتحمل وحدها مسؤولية ما يترتب على تعيينه. فالمساءلة السياسية الجادة تقتضي التمييز بين الوقائع التي كانت معروفة قبل اتخاذ القرار، والمعطيات التي ظهرت بعده، وبين المسؤولية عن الاختيار والمسؤولية عن القرارات اللاحقة.
لكن هذا التحفظ لا يلغي مشروعية مساءلة الجهة التي تملك سلطة الاقتراح. فالتمييز بين المسؤولية عن القرار والمسؤولية عن نتائجه لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعفاء الفاعلين السياسيين من واجب تفسير اختياراتهم، خصوصاً عندما تثير تلك الاختيارات أسئلة تتعلق بالثقة في المؤسسات وفعالية آليات اتخاذ القرار.
الأحزاب و«الصندوق الأسود» لاختيار المرشحين
تتيح أدبيات علم السياسة مدخلاً لفهم هذه المسألة من خلال دراسة آليات اختيار المرشحين داخل الأحزاب. ففي دراستهما Political Parties and Candidate Selection، المنشورة سنة 2018 ضمن موسوعة أكسفورد للبحوث السياسية، يبرز غيديون راهات وويليام ب. كروس أهمية هذه الآليات في فهم علاقات القوة داخل الأحزاب، وتركيبة المؤسسات المنتخبة، وطبيعة التمثيل السياسي.
وتتيح هذه المقاربة النظر إلى عملية الاختيار باعتبارها إحدى المحطات التي تتحدد من خلالها موازين القوى داخل التنظيمات الحزبية، وحدود مشاركة الهيئات المختلفة في اتخاذ القرار. فالاهتمام لا ينصب على هوية المرشح وحدها، بل يمتد إلى الجهة التي تملك سلطة الاقتراح، والقواعد التي تضبط هذه السلطة، ومدى خضوعها للمناقشة والتقييم داخل الحزب.
ومن هذا المنطلق، يرتبط النقاش بشأن ترشيح ماديحة خيير أيضاً بكيفية تدبير حزب الاستقلال لملف الاستوزار، وحدود الصلاحيات التي يمارسها أمينه العام، وطبيعة الدور الذي تؤديه الهيئات التنظيمية في مناقشة الأسماء المقترحة.
وقد نقلت وسائل إعلام عن مصدر من داخل الحزب معطيات تتعلق بتدبير نزار بركة ملف الترشيحات، ومدى إشراك أعضاء اللجنة التنفيذية في مناقشة الأسماء، فضلاً عن تساؤلات بشأن اختصاصات لجنة الأخلاقيات والسلوك. وتظل هذه المعطيات منسوبة إلى مصادرها، ولا تكفي وحدها للحسم في طبيعة المساطر التي اعتُمدت فعلياً أو في مدى احترامها.
غير أنها تفتح نقاشاً مشروعاً حول وضوح قواعد الاختيار، وحدود التفويض الممنوح للقيادة الحزبية، وآليات الرقابة الداخلية على القرارات ذات الأثر السياسي والمؤسساتي. فإذا كانت القيادة مخولة لتدبير المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة، فإن ذلك لا يحسم تلقائياً مسألة مدى خضوع اختياراتها للمناقشة داخل الحزب، مثلما أن وجود هيئات تنظيمية لا يعني بالضرورة امتلاكها صلاحية التدخل في كل ترشيح.
ويقتضي التحقق من هذه المسألة الرجوع إلى النظام الأساسي والأنظمة الداخلية للحزب، وتحديد الاختصاصات الفعلية لكل هيئة، ثم مقارنة القواعد المعتمدة بما جرى تطبيقه. فالمطلوب ليس إثبات خطأ شخص بعينه انطلاقاً من روايات متداولة، بل تحديد الجهة التي اتخذت القرار، والقواعد التي استندت إليها، والآليات المتاحة لمراجعته عند ظهور معطيات جديدة.
من المسؤولية الحكومية إلى حدود الاختصاص المؤسساتي
تفرض واقعة الإعفاء التمييز بين مسؤولية الحزب عن اقتراح المرشح، ومسؤولية الجهات المعنية عن القرارات الرسمية التي تدخل ضمن اختصاصاتها الدستورية والقانونية.
وفي هذه الحالة، أعلن الديوان الملكي موافقة الملك محمد السادس على طلب رئيسة الحكومة إنهاء مهام الوزيرة المنتدبة، استناداً إلى الفصل 47 من الدستور. كما أوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة أن التعامل مع القضية استند إلى تقدير سياسي ومؤسساتي مشترك بين مكونات الأغلبية الحكومية.
وتوضح هذه المعطيات المسار الرسمي الذي اتُّبع لإنهاء المهام، لكنها لا تقدم، بمفردها، إجابة كاملة عن الأسئلة المتعلقة بمرحلة اختيار المرشحة. فتقييم سلامة المسطرة الدستورية للإعفاء يختلف عن تقييم مدى كفاية إجراءات التحقق السابقة للتعيين، كما أن إنهاء المهام لا يثبت تلقائياً وجود تقصير في عملية الترشيح.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين المسؤولية القانونية والمسؤولية السياسية. فالأولى تتطلب تحديد القاعدة القانونية المعنية وإثبات الإخلال بها وفق الإجراءات المختصة، بينما تتيح الثانية مناقشة معايير الاختيار، ونجاعة القرار، ومدى قدرة الجهات المعنية على تفسير اختياراتها وتحمّل تبعاتها السياسية. ولا يعني فتح هذا النقاش ثبوت مخالفة قانونية، مثلما لا يشترط لقيام المساءلة السياسية صدور حكم قضائي.
المؤسسات الأمنية ليست طرفاً بديلاً في القرار السياسي
أعاد الجدل المحيط بالإعفاء طرح مسألة حدود المسؤولية المنسوبة إلى المؤسسات الأمنية، ومدى مشروعية تحميلها تبعات اختيارات سياسية لا تدخل بالضرورة ضمن اختصاصاتها.
فمن الناحية المؤسساتية، ينبغي تحديد الجهة التي تملك سلطة اقتراح المرشحين للاستوزار، والجهات التي تضطلع باختصاصات قانونية أو أمنية محددة، قبل إسناد أي مسؤولية إليها. ولا يكفي ظهور معطيات مثيرة للجدل بشأن مرشح حكومي للقول إن مؤسسة أمنية قصّرت في أداء واجبها، كما لا يصح استبعاد المساءلة إذا ظهرت أدلة على إخلال محدد يدخل ضمن اختصاصها القانوني.
إن ربط المسؤولية بالاختصاص يقتضي التمييز بين جمع المعلومات أو معالجتها في إطار قانوني، وبين اتخاذ القرار السياسي بشأن تعيين وزير. فهذه وظائف مختلفة، ولا تنتقل المسؤولية من جهة إلى أخرى لمجرد أن قراراً سياسياً انتهى إلى نتيجة أثارت الجدل.
ومن ثم، فإن الدعوة إلى إبعاد المؤسسات الأمنية عن التجاذبات السياسية ينبغي أن تنسجم مع المبدأ نفسه عند وقوع الأزمات، وألا تتحول إلى خطاب يستبعد هذه المؤسسات من النقاش في ظرف، ثم يحملها مسؤولية اختيارات سياسية في ظرف آخر من دون أدلة واضحة. والأصل أن تخضع كل جهة للمساءلة في حدود اختصاصها، لا أن تصبح المؤسسات موضوع اتهامات متبادلة تحجب الجهة التي اتخذت القرار فعلياً.
التدقيق السابق للتعيين بين متطلبات المسؤولية وضمانات الحقوق
رافق الجدل المتعلق بالتعيين تداول وثيقة طبية قديمة ومعطيات مرتبطة بملف قضائي سابق. ويستدعي تناول هذه العناصر قدراً كبيراً من الدقة، لأن تداول وثيقة لا يثبت وحده صحتها أو حجيتها القانونية، كما أن المعلومات المنشورة لا تكفي، من دون الرجوع إلى مصادر أصلية وموثوقة، للجزم بمضمون الملف القضائي أو بوضعه القانوني.
ولا ينبغي أن يتحول النقاش بشأن معايير الاستوزار إلى محاكمة إعلامية للحياة الخاصة للأشخاص، أو إلى افتراض أن معطى طبياً قديماً يكفي للحكم على أهلية شخص لتولي مسؤولية عمومية. فلكل معطى سياقه، ولكل وثيقة حدودها القانونية، ولا يجوز استنتاج عدم الأهلية من مجرد تداول معلومات لم يُتحقق من مضمونها ودلالتها.
وفي المقابل، فإن احترام الخصوصية لا يلغي مشروعية مناقشة سلامة الاختيارات الحكومية، ولا يعفي الجهات المعنية من اعتماد إجراءات تحقق قانونية ومتناسبة بشأن المعطيات التي ترتبط فعلياً بمتطلبات المنصب. ويظل تحديد هذه المتطلبات، والجهة المخولة بالتحقق منها، والضمانات التي تحكم معالجة المعلومات، جزءاً من مسؤولية تدبير التعيينات العمومية.
وعليه، فإن السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت كل معلومة متداولة قد وصلت إلى الجهات المعنية قبل التعيين، بل ما إذا كانت توجد معايير واضحة وإجراءات مناسبة للتحقق من المعطيات ذات الصلة، وما حدود مسؤولية كل جهة مشاركة في عملية الاختيار. ولا يمكن الحسم في هذه المسألة من دون معرفة المعلومات التي كانت متاحة فعلياً، وتوقيت توفرها، والجهة التي كانت تملك صلاحية التعامل معها.
من تدبير الأزمة إلى إصلاح آليات الاختيار
إذا كانت سرعة الإعفاء قد عكست، وفق التصريح الحكومي، رغبة في التعامل مع الأزمة واستكمال المسار الدستوري لتشكيل الحكومة، فإن الدرس المؤسساتي الأوسع يتعلق بما ينبغي أن يحدث قبل التعيين، لا بعده فقط.
فمثل هذه الوقائع تتيح فرصة لمراجعة إجراءات الانتقاء، وتوضيح المسؤوليات داخل الأحزاب، وتعزيز الشفافية في تدبير الترشيحات، ووضع قواعد تسمح بالتعامل مع المعطيات المستجدة وفق القانون والاختصاص. ولا يتعلق الأمر بفرض مساطر شكلية إضافية، بل بضمان وضوح المسار الذي يفضي إلى القرار، وتحديد الجهة التي تملكه، وتوفير آليات تسمح بتقييم الاختيارات ومراجعتها عند الاقتضاء.
وفي هذا الإطار، يمكن مساءلة حزب الاستقلال عن كيفية تدبير ملف الاستوزار ومعايير اقتراح المرشحين، من دون افتراض أن الإعفاء يثبت وحده وجود تقصير من قيادته. كما يمكن تقييم تعامل الحكومة مع الأزمة، مع التمييز بين سلامة المسطرة الدستورية لإنهاء المهام ومدى كفاية الإجراءات التي سبقت التعيين.
إن قيمة هذه الواقعة لا تكمن في إصدار أحكام سريعة على الأشخاص أو المؤسسات، بل في طرح أسئلة قابلة للتحقق بشأن كيفية اتخاذ القرار، وتوزيع الصلاحيات، وفعالية الرقابة الداخلية، ومدى وضوح المعايير التي تضبط اختيار من يتولون المسؤوليات العمومية.
فالحزب الذي يقترح اسماً يتحمل مسؤولية سياسية عن معايير اقتراحه، والجهة التي تتخذ القرار الرسمي تتحمل مسؤوليتها في نطاق اختصاصها، وكل ادعاء بشأن تقصير جهة أخرى ينبغي أن يستند إلى وقائع موثوقة، لا إلى مجرد الربط بين الأزمة والمؤسسات التي قد تكون لها صلة بالملف.
وفي نهاية المطاف، لا تقاس جودة الممارسة السياسية بقدرة المؤسسات على تدبير الأزمات بعد وقوعها فحسب، بل أيضاً بمدى وضوح المساطر التي تسبق القرارات، وشفافية الاختيار، وإمكانية تحديد المسؤولية عن كل مرحلة من مراحله. فالمساءلة السياسية لا تبدأ عندما يصبح القرار موضع جدل، بل تشمل كذلك المسار الذي أفضى إليه، والمعايير التي حكمته، ومدى استعداد الجهات المعنية لتفسيره وتحمل تبعاته.












