جبير مجاهد:
في أجواء ثقافية وفنية مفعمة بروح الإبداع والاعتراف بالعطاء، احتضن فضاء خزانة حطان بإقليم خريبكة حفل افتتاح فعاليات الدورة الخامسة من ملتقى رالي القراءة، الذي تنظمه الجمعية المغربية للثقافة والفنون، بمشاركة نخبة من الفعاليات الثقافية والفنية والإعلامية، من كتاب وروائيين وباحثين وفنانين وفعاليات المجتمع المدني، في موعد ثقافي يجدد الرهان على القراءة باعتبارها مدخلا أساسيا لبناء الإنسان وترسيخ الوعي المجتمعي ونشر قيم المعرفة والإبداع.
وقبل الانطلاقة الرسمية لحفل الافتتاح، كان الحضور على موعد مع افتتاح المعرض الفوتوغرافي للدكتور بوشعيب المسعودي، الذي أضفى على هذه التظاهرة بعدا فنيا وجماليا متميزا، من خلال ما تحمله الصورة الفوتوغرافية من قدرة على توثيق الذاكرة الإنسانية واستحضار التفاصيل وتحويل اللحظات العابرة إلى مشاهد نابضة بالدلالات. وشكل المعرض فرصة أمام الزوار لاكتشاف تجربة إبداعية تنفتح على جماليات الصورة وأبعادها التعبيرية والتوثيقية، في انسجام مع روح الملتقى وانفتاحه على مختلف أشكال التعبير الثقافي والفني.
واستهل الحفل الرسمي بترديد النشيد الوطني المغربي، في أجواء طبعتها مشاعر الاعتزاز والانتماء، تلاه عرض شريط مصور استعاد أبرز المحطات واللحظات المميزة للدورة الرابعة من الملتقى، مستحضرا ما راكمته هذه المبادرة الثقافية من أنشطة ولقاءات وتفاعلات، وما أسهمت به في تنشيط الحياة الثقافية بالإقليم وتعزيز حضور الكتاب والقراءة في الفضاء العام.

وتخللت فقرات الافتتاح لحظة تقدير واعتراف بعدد من الضيوف والمساهمين، من خلال تقديم شواهد تقديرية، قبل أن تتجه الأنظار إلى فقرات التكريم التي شكلت إحدى أبرز محطات هذه الأمسية، حيث احتفى الملتقى بأسماء وازنة بصمت مسارات متميزة في مجالات الفكر والأدب والفن والتربية.
وفي هذا السياق، جرى تكريم الأستاذ الجامعي الدكتور الشرقي نصراوي، تقديرا لمساره الأكاديمي وإسهاماته العلمية والمعرفية، كما حظي السيناريست والمسرحي بلعيد أكريديس بتكريم اعترافا بعطائه في مجال الكتابة الدرامية والمسرح، فيما تم الاحتفاء بالكاتب والروائي أحمد علي صدقي، تقديرا لتجربته الأدبية وإسهامه في إغناء المشهد الإبداعي، إلى جانب الباحث في قضايا التربية محمد الأسعد، اعترافا باهتماماته البحثية وإسهاماته في تناول القضايا التربوية.

ولم تقتصر لحظات الاعتراف على هذه الأسماء، بل امتدت لتشمل مجموعة من الوجوه التي راكمت تجارب وعطاءات في مجالات الثقافة والفن والإعلام والعمل الجمعوي، في التفاتة إنسانية وثقافية تعكس حرص الملتقى على صون الذاكرة المحلية وتثمين جهود الرواد والمبدعين. وشملت هذه المبادرة الفنان الموسيقي ومدير معهد الموسيقى والفن الكوريغرافي سعيد بخاخ، والقائد الكشفي عبد الواحد ثمود، وقيدوم الصحفيين عبد الحق الأزهر، والفنان المسرحي مراد بيتيل، والفاعل الجمعوي ياسين العرامرم، تقديرا لما قدموه من خدمات وإسهامات في مجالات اشتغالهم، وما جسدوه من قيم الالتزام والعطاء والتفاني.
وعلى إيقاعات الفن والموسيقى، قدم الفنان سعيد بخاخ فاصلا موسيقيا أضفى على الأمسية أجواء فنية متميزة، مؤكدا من خلال حضوره أن الموسيقى تظل لغة إنسانية قادرة على إثراء اللقاءات الثقافية وإضفاء لمسة جمالية على لحظاتها، كما شكلت مشاركته مناسبة للاحتفاء بالتجربة الموسيقية والفنية التي راكمها.
وبعد فقرات التكريم والاحتفاء، أقيم حفل شاي على شرف الضيوف، في أجواء من التواصل وتبادل التحايا والأفكار بين مختلف الفعاليات المشاركة، بما يعزز روح اللقاء والتعارف ويفتح آفاقا جديدة للتعاون الثقافي والإبداعي.
واختتم برنامج الافتتاح بعرض الفيلم السينمائي «السجين» للمخرج المغربي محمد أهزاوي، وهو عمل يتناول ظاهرة العزوف عن القراءة، ويطرح من خلال لغته السينمائية قضية تستحق الكثير من التأمل والنقاش، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها المجتمع وتراجع الإقبال على الكتاب والمطالعة لدى فئات واسعة. وقد جاء اختيار هذا الفيلم منسجما مع فلسفة الملتقى ورسالته، باعتباره عملا فنيا يوظف السينما لإثارة الانتباه إلى إحدى القضايا الثقافية والتربوية الراهنة، ويجعل من الشاشة فضاء للتفكير في علاقة الإنسان بالقراءة والمعرفة.
وتؤكد الدورة الخامسة من ملتقى رالي القراءة أن هذه المبادرة لم تعد مجرد نشاط ثقافي عابر، بل أضحت موعدا متجددا للاحتفاء بالكتاب والمبدعين، وفضاء لتلاقي التجارب وتبادل الأفكار، وفرصة لتعزيز الصلة بين الأجيال الصاعدة ورموز الثقافة والفكر والفن. كما أن تنوع فقراتها، من المعرض الفوتوغرافي إلى التكريمات والفواصل الموسيقية والعروض السينمائية، يعكس وعيا بأهمية الانفتاح على مختلف التعبيرات الإبداعية، وجعل القراءة نقطة التقاء بين الأدب والفنون والمعرفة.
إن القيمة الحقيقية لهذا الملتقى تتجلى في رسالته النبيلة الرامية إلى إعادة الاعتبار للقراءة باعتبارها ممارسة حضارية ورافعة للتنمية الإنسانية، وفي سعيه إلى ترسيخ ثقافة الاعتراف بالطاقات التي أسهمت في خدمة المشهد الثقافي، وتشجيع المبادرات التي تجعل من الثقافة حقا مجتمعيا ووسيلة لبناء الوعي وتنمية الذوق وتعزيز التفكير النقدي.
ومن خلال هذه الدورة، تجدد الجمعية المغربية للثقافة والفنون تأكيدها على أهمية مواصلة الاستثمار في المبادرات الثقافية الجادة، وفتح فضاءات الحوار والإبداع أمام مختلف الفئات، إيمانا منها بأن مجتمع القراءة هو مجتمع المعرفة والانفتاح، وأن الكتاب يظل رفيقا أساسيا في مسار بناء الإنسان وصناعة المستقبل.
وهكذا، جاء افتتاح الدورة الخامسة لملتقى رالي القراءة بخزانة حطان ليجمع بين الاحتفاء بالكتاب والاعتراف بالمبدعين واستحضار الذاكرة الثقافية، في رسالة واضحة مفادها أن القراءة ليست مجرد هواية، بل فعل حضاري ومشروع مجتمعي يستحق الدعم والاستمرار.












