من الميكروفون إلى الميدان: دفاعا عن كرامة المهاجر
لم أخطط يوما لأن أكون إعلاميا بما تحمله الكلمة من معنى، لكن الظروف هي التي قادتني إلى هذا المسار. فقد فرضت عليّ المرحلة التي عاشتها الجاليات المهاجرة في إيطاليا أن أبحث عن وسيلة للتعبير والدفاع، خاصة وأن وضع الهجرة هناك كان حديث العهد، ولم تكن القوانين مؤطرة بشكل واضح، ولا الجالية منظمة بما يكفي لحماية حقوقها.
كنت أرى يوميًا معاناة المهاجرين من مختلف الجنسيات: صعوبات في السكن، مشاكل في الصحة، تعقيدات في تصاريح الإقامة، وضع هش في سوق الشغل، وشعور عام بالتهميش. شعرت أن الصمت لم يعد ممكنًا، وأن أقل ما يمكنني فعله هو المساهمة في التعريف بقضايا الهجرة، وتوعية المهاجر بحقوقه وواجباته، حتى لا يبقى فريسة للجهل بالقانون أو ضحية للاستغلال.
من هنا بدأت تجربتي الإعلامية عبر برنامج “موزاييك” في إذاعة إذاعة طورينو الشعبية FM97. كانت حصصًا مخصصة للجاليات، نقدمها بالعربية والفرنسية والإيطالية، رفقة الصديق المناضل مولاي المصطفى الخربيبي وزوجته المرحومة، اللذين كانا من السباقين في مجال الإعلام والصحافة بعد قدومهما من الدانمارك. شكلنا فريقًا يؤمن بأن الكلمة الحرة يمكن أن تصنع الفرق.
كنا نتناول في البرنامج قضايا متعددة، منها، السكن، والصحة، والتعليم، وتصاريح الإقامة، ونفتح النقاش حول سبل تحسين أوضاع المهاجرين، مع تقديم اقتراحات عملية للسلطات الإيطالية من أجل ضمان عيش كريم فوق التراب الإيطالي. ومع مرور الوقت، بدأ البرنامج يكتسب شعبية واسعة، وأصبح مرجعًا للجاليات ومصدر ثقة لديهم.
لم يتوقف دورنا عند حدود البث الإذاعي؛ بل بادرنا إلى تنظيم مؤتمرات، وأيام دراسية ولقاءات مفتوحة للتعريف بواقع الهجرة. وكانت إحدى التظاهرات الكبرى التي نظمها برنامج “موزاييك” محطة مفصلية، إذ ساهمت في الدفع نحو تسوية أوضاع عدد من المهاجرين ومنحهم أوراق الإقامة، كما فتحت باب التفكير الجدي في إدماجهم داخل المجتمع الإيطالي. شعرنا آنذاك أن صوت المهاجر لم يعد مهمشًا، بل أصبح مسموعًا ومؤثرًا.

وبالموازاة مع ذلك، سعينا إلى ربط جسور التواصل مع السلطات المغربية للوقوف إلى جانب أبناء الوطن في المهجر. وكان من بين المطالب التي نادينا بها فتح القنصليات المغربية في إيطاليا لتقريب الخدمات الإدارية من الجالية، وهو مطلب حمله البرنامج بوضوح وإصرار.
توسعت تجربتي الإعلامية لتشمل الكتابة في صحف ومجلات إيطالية وأوروبية ودولية، وإجراء حوارات وتحقيقات حول قضايا الهجرة، إضافة إلى المشاركة في ندوات تلفزية محلية ووطنية. كما كان لي حضور في الإعلام المغربي، الذي لعب دورًا مهمًا في تقريب مغاربة المهجر من وطنهم الأم.
من بين البرامج التي استضفنا فيها وقدمنا حلقات مهمة، برنامج “قناة الأسرة” على القناة الأولى المغربية، الذي كانت تقدمه الصحفية الفاضلة خديجة كدة. كما شاركنا في حوارات عبر أثير إذاعة طنجة ضمن برنامج “حنين” الذي كان يقدمه الصحفي الكبير العربي الزكاف.
ولا أنسى تعاوننا مع عدد من الصحفيين المغاربة ذوي الصيت المهني، عبر حوارات وزوايا متعددة في منابر إعلامية مختلفة، منها الحركة والمنعطف ووكالة الأنباء الكويتية كونا، وغيرها.
كل هذه المبادرات الإعلامية لم تكن بحثًا عن شهرة أو حضور شخصي، بل كانت رسالة. كان هدفي الأساسي هو تحسين الوضعية العامة للإنسان المهاجر المغربي، والرفع من قيمته وكرامته، وتصحيح الصورة النمطية عنه، والتأكيد على أنه عنصر فاعل في بناء المجتمع، لا عبء عليه.
لقد كانت تجربتي الإعلامية امتدادًا لنضالي المدني؛ آمنت خلالها بأن الكلمة مسؤولية، وأن الإعلام يمكن أن يكون أداة عدل وإنصاف، إذا ارتبط بقضايا الناس وهمومهم. وما زلت أؤمن أن الدفاع عن كرامة المهاجر هو دفاع عن إنسانيتنا جميعًا.
إن المهاجر، مهما ابتعدت به المسافات عن وطنه، لا يفقد حقه في الكرامة ولا قدرته على الدفاع عن نفسه. فقوته الحقيقية لا تكمن فقط في صبره على الغربة، بل في وعيه بحقوقه، وإيمانه بقدرته على انتزاعها بالطرق القانونية والحضارية. إن اللجوء إلى وسائل الإعلام، وكل منبر متاح للتعبير، ليس ترفا ولا بحثا عن الظهور، بل هو ممارسة مشروعة لحق إيصال الصوت إلى السلطات وإلى كل من يهمه الأمر. فالكلمة المسؤولة قد تفتح بابًا مغلقًا، وتعيد حقًا ضائعًا، وتصحح صورة مغلوطة.
ولا ينبغي للمهاجر أن يبقى متفرجًا على ضياع حقوقه؛ فالصمت في كثير من الأحيان يطيل أمد المعاناة. إن المبادرة، والتنظيم، واستثمار قنوات التواصل المختلفة من الإعلام إلى الجمعيات المدنية، تشكل أدوات فعالة لإثبات الذات وبناء حضور محترم داخل مجتمع الاستقبال.
وفي المقابل، فإن على السلطات، سواء في بلدان الإقامة أو بلدان الأصل، أن تُفعّل اتفاقيات الشراكة والتعاون في مجال الهجرة، وأن تعمل على تبسيط الإجراءات الإدارية، وتيسير الخدمات، بما يضمن اندماجًا قائمًا على الاحترام المتبادل والحقوق المتوازنة. فالهجرة ليست عبئًا، بل طاقة بشرية قادرة على الإسهام في التنمية متى توفرت لها الشروط العادلة.
إن إثبات الذات في أرض الغربة لا يتحقق بالصدام، بل بالوعي، والعمل المنظم، والتواصل القانوني المحترم. وهكذا يصبح الدفاع عن حق المهاجر دفاعًا عن دولة القانون، وعن القيم الإنسانية المشتركة التي لا تعترف بالحدود.












