مصطفى الصوفي
احتضن فضاء «داوليز»، صباح اليوم، ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، لقاءً فكرياً خاصاً بالمفكرة والباحثة المغربية فاطمة المرنيسي، شكل مناسبة لاستحضار مسارها الفكري والإنساني، والتوقف عند أبرز القضايا التي انشغلت بها في كتاباتها، خاصة أسئلة المعرفة والحرية والحداثة والمرأة والمجتمع.
اللقاء، الذي نشطه الكاتب والناقد حسن نرايس، عرف حضور عدد من الفاعلين في المجال الثقافي والفكري، كما تميز بتكريم، بعد الوفاة، عائشة بنخضرة، عضو جمعية أبي رقراق ومؤسسة جمعية أصدقاء فاطمة المرنيسي، تقديراً لإسهاماتها في التعريف بفكر المرنيسي والمساهمة في الحفاظ على إرثها الفكري والثقافي.
واستحضر حسن نرايس، خلال تقديمه للقاء، جوانب من تجربة فاطمة المرنيسي وذكرياته معها، متوقفاً عند بعض اللقاءات التي جمعته بها، من بينها لقاء في باريس وآخر خلال حوار بإذاعة فرنسية. وأبرز أن مسار المرنيسي الفكري ظل مشدوداً إلى أسئلة كبرى، في مقدمتها الصراع بين الجهل والمعرفة، والخوف والحرية، ومواجهة البنيات الذكورية داخل المجتمع، من خلال البحث في التراث العربي والإسلامي وإعادة قراءته من زاوية نقدية ومعاصرة.
من جانبه، قدم الكاتب والمترجم الحسين سحبان شهادة حول فكر فاطمة المرنيسي وأفكارها ومرجعياتها، مستحضراً تجربته في ترجمة عدد من مؤلفاتها. وأبرز أن أعمال المرنيسي استطاعت أن تتجاوز الحدود المغربية والعربية، وأن تحظى بحضور عالمي واسع، مذكراً بأن تجربتها الفكرية ارتبطت بأسئلة الإنسان والمجتمع والفلسفة والتراث، وبمحاولة بناء قراءة جديدة للعلاقة بين الإسلام والحداثة.
وتوقف سحبان عند القيمة الفكرية والإنسانية لكتابات المرنيسي، التي لم تكن مجرد دراسات سوسيولوجية، وإنما مشروعاً فكرياً متكاملاً ينفتح على قضايا المرأة والسلطة والمجتمع والهوية، ويجمع بين البحث الأكاديمي والقدرة على تقديم أفكارها بلغة قريبة من القارئ. كما أشار إلى مسار ترجمة أعمالها وانتشارها في لغات متعددة، بما جعلها من الأسماء المغربية التي استطاعت أن تصل إلى فضاءات فكرية وثقافية عالمية.
أما الطبيب النفسي فريد المريني، فركز في مداخلته على العلاقة بين فاطمة المرنيسي و محيطها الاجتماعي، مستحضراً مكانة المرنيسي باعتبارها مناضلة ومفكرة ومثقفة وسوسيولوجية، وصاحبة مشروع فكري غني حول الإسلام والحداثة وقضايا المجتمع والمرأة. كما وجه الشكر إلى جمعية أبي رقراق على دعوتها للمشاركة في هذا اللقاء، متسائلاً عن الكيفية التي يمكن من خلالها تكريم شخصية فكرية من حجم فاطمة المرنيسي، وكيف يمكن تحويل الاحتفاء بها إلى فعل مستمر يحفظ أفكارها ويجعلها حاضرة لدى الأجيال الجديدة.
وفي سياق حديثه استحضر فريد مريني أسماء وتجارب مرتبطة بالمشهد الثقافي والفكري المغربي، من بينها المكي الزواوي وفريدة بلزيد، مبرزاً الدور الذي لعبته بنخضرة في تأسيس جمعية أصدقاء فاطمة المرنيسي والمساهمة في التعريف بفكرها ومواصلة الاشتغال على إرثها الثقافي.
كما توقف عند تجربة مؤسسة جمعية أصدقاء فاطمة المرنيسي، وما راكمته من أنشطة ومبادرات، خصوصاً في علاقتها مع جامعة القاضي عياض ومؤسسات وفضاءات ثقافية أخرى، إلى جانب تنظيم الورشات واللقاءات الفكرية التي تروم ترسيخ ثقافة العلامة الفكرية لفاطمة المرنيسي، وإبقاء مشروعها حاضراً في النقاش الثقافي والمجتمعي.

وقد شكل اللقاء، في مجمله، لحظة وفاء لفاطمة المرنيسي ولمن ساهموا في حمل مشروعها الفكري، حيث لم يقتصر استحضار اسمها على الجانب الاحتفائي، بل تحول إلى نقاش حول قيمة أفكارها وراهنيتها، وحول مسؤولية المؤسسات الثقافية والباحثين في مواصلة قراءة أعمالها ونقلها إلى الأجيال المقبلة.
وتظل فاطمة المرنيسي، بما راكمته من أبحاث وكتابات ودراسات، واحدة من أبرز الأسماء المغربية التي جعلت من المعرفة وسيلة لمساءلة المجتمع، ومن البحث في التراث مدخلاً لفهم الحاضر، ومن قضايا المرأة والحرية والحداثة مجالاً لإنتاج فكر تجاوز الحدود المحلية ليصبح جزءاً من النقاش الفكري العالمي.
ويشكل هذا اللقاء، بما حمله من شهادات وذكريات واستحضار عميق لفكر فاطمة المرنيسي، محطة متميزة في تاريخ المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، إذ تجاوز البعد السينمائي للبرمجة ليؤكد انفتاح المهرجان على الفكر والثقافة وقضايا المرأة. كما أن تكريم عائشة بنخضرة، بعد وفاتها، أضفى على هذه الجلسة بعداً إنسانياً ووفائياً خاصاً، وجعل منها لحظة لتجديد العهد بحفظ إرث المرنيسي والتعريف بمشروعها الفكري لدى الأجيال الجديدة. وبذلك ستظل هذه الجلسة من اللقاءات التي تضيف إلى ذاكرة المهرجان بعداً فكرياً وإنسانياً، وتكرس مكانته كفضاء للحوار والاحتفاء بالأسماء التي أسهمت في إغناء الثقافة المغربية.












