جبير مجاهد:
في ظل التحولات البيئية المتسارعة التي يشهدها العالم، وعلى رأسها التغير المناخي واستنزاف الموارد الطبيعية، تتزايد الحاجة إلى مقاربات جديدة تجعل من التعليم مدخلا استراتيجيا لتحقيق التنمية المستدامة وبناء وعي جماعي قادر على التفاعل مع التحديات المناخية الراهنة. وفي هذا السياق، احتضنت العاصمة اللبنانية بيروت، يومي 18 و19 ديسمبر 2025، أشغال المنتدى العربي الثاني لشبكات المدارس والنوادي والكراسي العلمية المنتسبة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، تحت شعار: “تخضير التعليم في إطار خطة التنمية المستدامة 2030”.
ويأتي تنظيم هذا المنتدى استكمالا لنجاح دورته الأولى التي انعقدت بتونس سنة 2024، والتي شكلت محطة مفصلية في تعزيز الحوار العربي حول التربية البيئية والعمل المناخي، وأسفرت عن توصيات عملية دعت إلى بناء شبكات تعاون عربية، وتبادل التجارب الرائدة في مجال التعليم المستدام، وتمكين الشباب من لعب أدوار قيادية في هذا المجال الحيوي.
وقد افتتحت أشغال المنتدى بحضور رسمي رفيع، تقدمته معالي وزيرة البيئة اللبنانية الدكتورة تمارا الزين، إلى جانب الدكتور مراد محمودي، أمين المجلس التنفيذي والمؤتمر العام للألكسو، والسيدة أميرة الصلح، الأمينة العامة للجنة الوطنية اللبنانية للتربية والثقافة والعلوم، إضافة إلى الدكتورة ميسون شهاب، رئيسة قسم التربية بمكتب اليونسكو ببيروت.
وأكد المتدخلون في كلماتهم الافتتاحية على مركزية التعليم في مواجهة التحديات البيئية، وعلى أهمية توحيد الجهود العربية من أجل إدماج البعد البيئي في السياسات التربوية، وتعزيز ثقافة الاستدامة داخل المؤسسات التعليمية، باعتبارها فضاءات حاسمة لتكوين أجيال واعية بقضايا المناخ والتنمية.
وشهد المنتدى برنامجا علميا متنوعا، توزع على جلسات ناقشت الشراكات العالمية والإقليمية لتخضير التعليم، ومفهوم التعليم الأخضر والسياسات الوطنية الداعمة له، إضافة إلى المناهج والتعلم من أجل التنمية المستدامة، وسبل الانتقال نحو مؤسسات تعليمية خضراء من حيث البنية التحتية والممارسات البيئية.
كما خصص حيز هام لقضايا تمويل مشاريع التعليم الأخضر، وتعزيز الشراكات بين المؤسسات التربوية، والقطاع الخاص، والمنظمات الإقليمية والدولية، فضلا عن ورشات عمل تفاعلية ركزت على دور الشباب في التصدي للتغير المناخي، باعتبارهم فاعلين محوريين في صناعة التحول البيئي داخل المجتمعات العربية.
وتضمن البرنامج أيضا زيارة ميدانية للمركز التربوي للبحوث والإنماء بجونية، حيث اطلع المشاركون على تجربة “الغرفة الخضراء” كنموذج تطبيقي لتكامل البحث التربوي والممارسة البيئية داخل الفضاء المدرسي.
وفي هذا الإطار، سجل كرسي الألكسو للتربية على التنمية المستدامة بكلية علوم التربية – جامعة محمد الخامس حضورا لافتا، من خلال مشاركة مديره الدكتور عبد العزيز فعرس، الذي قدم مداخلة علمية ضمن الجلسة الثالثة بعنوان: “التربية البيئية من أجل بلوغ أهداف التنمية المستدامة: عرض تجربة كرسي الألكسو للتربية على التنمية المستدامة”.
وقد سلطت المداخلة الضوء على المقاربة العلمية والمنهجية التي يعتمدها الكرسي في إدماج مفاهيم الاستدامة في التكوين والبحث التربوي، وفي مواكبة المؤسسات التعليمية لبناء مشاريع بيئية ذات أثر مستدام. كما تولى الدكتور فعرس تسيير الجلسة العلمية الرابعة وتأطير ورشة عمل تفاعلية حول دور الشباب في التصدي للتغير المناخي، والتي عرفت تفاعلا لافتا من المشاركين.
واختتم المنتدى بحفل تكريم خمس كراس علمية عربية نشيطة معتمدة من طرف الألكسو، من بينها كرسي الألكسو للتربية على التنمية المستدامة بجامعة محمد الخامس، وذلك تقديرا لجهوده العلمية المتميزة، وعطاءه المتواصل في خدمة قضايا التعليم المستدام، وتعزيز العمل العربي المشترك في مجال التربية البيئية.
ويجسد هذا التكريم اعترافا مؤسساتيا بالدور المحوري الذي تضطلع به الكراسي العلمية في ربط البحث الأكاديمي بالرهانات المجتمعية، وفي تحويل مفاهيم التنمية المستدامة من شعارات نظرية إلى ممارسات تربوية ملموسة.
ويؤكد المنتدى العربي الثاني للألكسو، من خلال مخرجاته ونقاشاته وتكريماته، أن تخضير التعليم لم يعد ترفا فكريا أو خيارا ظرفيا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لبناء مستقبل عربي قادر على التوفيق بين متطلبات التنمية الاقتصادية، وحماية البيئة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، في انسجام مع أهداف خطة التنمية المستدامة 2030.
منتدى الألكسو 2 ببيروت: تخضير التعليم رافعة للتنمية وتكريم لرواد التربية المستدامة












