«ثقافة التميز» ليونس العراقي.. رحلة إنسان في دهاليز التربية والمجتمع

ادارة التحريرمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
«ثقافة التميز» ليونس العراقي.. رحلة إنسان في دهاليز التربية والمجتمع

اقلام واراء

لا أحد يجادل في كون الفاعل التربوي يونس العراقي سليل أسرة اختارت الاستثمار في التربية والتعليم، وتركت بصماتها في هذا المجال عبر سنوات من العطاء والاجتهاد ونكران الذات. وفي امتداد لهذا المسار، استطاع أن يساهم في ترسيخ ثقافة تربوية متجددة وبناء مشروع فكري ومعرفي في قطاع حيوي وحساس، هو قطاع التربية والتكوين، من خلال مقاربته لمفهوم التميز داخل المؤسسات السوسيو-تربوية، وفي مقدمتها المدرسة والأسرة والمجتمع.

في قلب بيئة تربوية مغربية أصيلة نشأ يونس العراقي، مؤلف كتاب «ثقافة التميز»، وصاحب تجربة ميدانية في مجال التربية والتعليم، استطاع من خلالها أن يحول جانباً من أفكاره وخبرته المهنية إلى مشروع معرفي يطرح سؤالاً راهنياً وجوهرياً: كيف يمكن بناء ثقافة للتميز داخل المدرسة والأسرة والمجتمع؟

بدأ يونس العراقي مسيرته المهنية إطاراً تربوياً، حاملاً رسالة التعليم التي حملها والده من قبله. ومن بدايات متواضعة، اتسعت التجربة مع مرور السنوات لتتحول إلى مسار عائلي ارتبط بالتربية والتكوين والاستثمار في الثقافة والفكر والمعرفة.

وفي هذا المحيط تشكل وعي يونس العراقي وتبلورت علاقته بالتعليم، ليواصل المسار برؤية خاصة، وصولاً إلى تجربته داخل مدرسة العراقي، ثم إلى إصدار كتابه «ثقافة التميز»، الذي يقدم فيه رؤية تربوية تتمحور حول بناء الإنسان، وتنمية روح المبادرة، وترسيخ قيم الاحترام والمسؤولية والقيادة والتضامن، إلى جانب السعي المستمر نحو التطور وتجاوز الذات.

وقد احتضنت مدينة مراكش مؤخراً لقاءً تربوياً وفكرياً خُصص للاحتفاء بكتاب «ثقافة التميز» لمؤلفه يونس العراقي، في مناسبة جمعت عدداً من المهتمين بالشأن التربوي، وفتحت باب النقاش حول مفهوم التميز وحدوده ودوره في بناء شخصية قادرة على التعلم المستمر والتطور وصناعة القيمة.

ومن خلال قراءة متأنية للكتاب، يتضح أن المؤلف لا ينظر إلى التميز باعتباره نتيجة نهائية أو مجرد سباق نحو التفوق، بل يقدمه بوصفه ثقافة متكاملة ومنهجاً في التفكير والسلوك والممارسة؛ ثقافة تبدأ من علاقة الإنسان بذاته وبالآخر، وتمتد إلى قدرته على تحمل المسؤولية والمبادرة والعمل الجماعي والتأثير الإيجابي في محيطه.

ومن خلال سبعة مبادئ أساسية، يؤسس يونس العراقي لرؤية تربوية تضع الإنسان في صلب عملية التغيير. وتنطلق هذه الرؤية من الاحترام المتبادل، والمسؤولية، والديمقراطية، ورفض الرداءة، وروح المبادرة، والقيادة، والتضامن، باعتبارها مرتكزات لبناء ثقافة حقيقية للتميز.

ويدعو الكتاب، من خلال هذه المبادئ، إلى تجاوز النظرة التقليدية للنجاح، والانتقال نحو بناء شخصية تمتلك أدوات التعلم والتطور، وقادرة على تحويل المعرفة إلى ممارسة، والفكرة إلى مبادرة، والقدرة الفردية إلى قيمة مضافة داخل المجتمع.

ولا يقتصر الكتاب على عرض المبادئ والقيم، بل يربطها بالممارسة التربوية وبالحياة اليومية للمؤسسة التعليمية، انطلاقاً من تجربة ميدانية تجمع بين العمل داخل الفصل الدراسي وتجربة القيادة والتدبير التربوي. كما يفتح الكتاب مجالاً للتفكير في التحديات الجديدة التي تواجه المدرسة المعاصرة، وفي مقدمتها التحولات التي تفرضها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على مفهوم التعلم ودور الإنسان في العملية التعليمية.

ومن المرتقب أن تتم ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية، بما سيسمح بوصول مضامينه إلى شريحة أوسع من القراء والمهتمين بالشأن التربوي، كما يُنتظر أن يسهم صدوره في فتح نقاش أوسع حول مفهوم التميز، ليس باعتباره امتيازاً فردياً أو تنافساً محضاً، وإنما باعتباره ثقافة تبدأ من الإنسان، وتنمو بالممارسة، وتترسخ بالاستمرارية، ثم تنعكس آثارها على المدرسة والأسرة والمجتمع.

إن «ثقافة التميز» ليست، بهذا المعنى، حديثاً عن النجاح فقط، بل دعوة إلى بناء الإنسان؛ إنسان يحترم الآخر، ويتحمل مسؤوليته، ويبادر، ويقود بالفعل والقدوة، ويسهم في الارتقاء بالجماعة التي ينتمي إليها.

فالتميز، في نهاية المطاف، ليس محطة نصل إليها، بل مسار يومي للتحسن والتطور. «اليوم أفضل من الأمس، وغداً أفضل من اليوم».

 

عبد الرحيم عاشر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة