احتضن المركب الثقافي بمدينة الحاجب، مساء الخميس 3 شتنبر 2026، عرضاً متميزاً لمسرحية «البحرية والرداد»، قدمته فرقة دار الفن للمسرح بفاس، وسط حضور جماهيري تفاعل بشكل لافت مع مختلف فصول المسرحية، التي هي من تأليف حميد الطالبي وإخراج خالد أزويشي، وذلك في أجواء فنية غنية جمعت بين الأداء المسرحي والبعد التراثي والرمزية الصوفية.
وقدمت الفرقة هذا العمل المسرحي بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، في إطار دعم إنتاج وترويج الأعمال المسرحية برسم سنة 2026-2027، وبالتعاون مع المركز الثقافي نجوم المدينة – مؤسسة علي زاوا فرع فاس.
وتألقت الفنانة نجوم الزوهرة بشكل لافت في هذا العرض، من خلال تشخيص راقٍ أبرز إمكاناتها الفنية، وحظي بأصداء إيجابية وتصفيق كبير من الجمهور، كما شاركها التألق كل من نسرين المنجي، سفيان المللولي، إيمان المومثيل، فيصل الغابية وخالد أزويشي، الذين قدموا أداءً متميزاً أسهم في إنجاح العرض.
وعلى المستوى التقني والفني، أبدعت آية حروش في السينوغرافيا والملابس، فيما تولى عبد الفتاح بندعنان تنفيذ السينوغرافيا، بينما صمم إلياس المرموح الإضاءة، لتتكامل مختلف العناصر الفنية والجمالية وتمنح العرض أبعاده البصرية والدرامية.

واكتشف الجمهور عوالم المسرحية الروحي والواقعي، في تقاطع درامي يستحضر التراث والرمزية الصوفية، ويكشف صراع التطهر الروحي مع الاستغلال العقائدي والجهل، وطاف بين أحداث معاصرة داخل ضريح «لالة عيشة البحرية»، حيث تستغل «المجذوبة» بسطاء الناس لتحقيق مكاسب مادية، وتسعى إلى تزويج «يونس»، خادم الضريح وسليل سيدي بوشعيب الرداد، من «ميرا»، أملاً في الحفاظ على ارتباطه بالضريح واستمرار سلالته.
كما وقف عند طقوس القربان، حيث تدخل «ميرا» في غيبوبة تنقلها إلى الماضي، فتعيش فصولاً من الحكاية الأسطورية لـ«عائشة البحرية»، التي هجرت حياة القصر وملذات الدنيا مقتفية أثر السالك المتبتل «بوشعيب الرداد». وبعد عودتها إلى الواقع، تقود مؤامرات «المجذوبة» يونس وميرا إلى العراء، حيث تتحول العزلة إلى لحظة كشف، تدرك خلالها ميرا أن زهد يونس وخدمته للضريح يخفيان استغلالاً للدين وطقوساً منحرفة.
ومن خلال رؤيا مشتركة، يستعيد يونس وميرا بقية حكاية عائشة البحرية ورحلتها في المقامات الصوفية، وصولاً إلى لقائها ببوشعيب على ضفة نهر أم الربيع، حيث تختار الموت بدل العبور، ليظل حبهما نقياً ومتعالياً عن متاع الدنيا. وتتحول هذه الحكاية إلى مرآة تكشف ليونس وميرا معنى التضحية والسمو الروحي في مواجهة الوهم والاستغلال.

يعود يونس وميرا محملين بالوعي والحقيقة، فيهددان مصالح «المجذوبة» ومصدر رزق الضريح، فتقدم على قتل ميرا أمام عيني يونس، وتتوعّده بالجنون. وينتهي الصراع بتحول يونس إلى واحد من «مجاذيب» الفقد والذهول، بينما ترتقي روح ميرا إلى السماء، حيث تستقبلها روحا عائشة البحرية وبوشعيب، في خاتمة تؤكد انتصار الحب الروحي والطهر على الاستغلال والوهم.
بهذا أكدت «البحرية والرداد» قدرتها على صناعة فرجة تجمع بين المتعة البصرية وقوة التعبير المسرحي، مستفيدة من تناغم الأداء وتشابك الرمزية مع جمالية السينوغرافيا والإضاءة وقوة التأليف والإخراج. وبفضل هذا التلاقح بين الأداء والإبداع والرمزية والصورة المسرحية، قدم العمل تجربة فنية ثرية، منحت الجمهور لحظات من المتعة والتأمل، ورسخت حضور المسرح كفضاء للفرجة والجمال والتعبير.

م الصوفي












