نافذة يومية خلال هذا الشهر الكريم، نطل من خلالها على مسار وحكايات فاعل جمعوي وإعلامي مغربي من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، في أماكن وازنة ومتنوعة. يرويها من خلال قصص وتجارب شخصية غنية، تمتد بين الحاضر والماضي، وتبدأ من مرحلة الطفولة، لتسرد كيف شكلت هذه التجارب شخصية “الطائر المهاجر” الذي ظل مشدودًا إلى ظلال الوطن، متحديا المسافات والزمان، محافظًا على جذوره وهويته، رغم تنقله بين الأمكنة والثقافات.
ضيف النافذة هو الأستاذ المصطفى متوكل مثقف وإعلامي مغربي، قدم برامج إذاعية في الخارج منها برنامج موزاييك FM 97، وكتب في عدة مجلات وصحف، مسلطًا الضوء على قضايا الهجرة وحقوق الإنسان، ومدافعًا عن القضية الوطنية في المحافل الدولية، ومساهمًا في تعزيز الاستثمار في أرض الوطن.
عايش وتفاعل مع أساتذة ومثقفين وسياسيين وصحفيين مغاربة وأجانب، مشاركًا معهم في محطات متعددة، من خلال تعزيز الثقافة والوعي، وتشجيع المبادرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتكريس القيم الوطنية القائمة على الإبداع والمسؤولية…
******
لم تكن الهجرة بالنسبة إليّ مجرّد انتقال جغرافي من أرض إلى أخرى، بل كانت قناعة فكرية وإنسانية سكنتني منذ سنوات الدراسة الجامعية. كنت أؤمن بالحوار بين الدول، وبالتعايش السلمي بين الشعوب، وبأن الإنسان لا يكتمل إلا حين يفتح قلبه للآخر ويكتشف العالم بعين المعرفة لا بعين الخوف.

بعد أن أنهيت دراستي الجامعية، راودتني فكرة السفر بحثًا عن المعرفة والاكتشاف. كانت اللحظة التاريخية مميزة، إذ تزامنت مع تأسيس اتحاد دول المغرب العربي، ذلك الحلم الذي حمل آمال الرفاهية والازدهار لشعوب المنطقة، وربط أواصر الأخوة بين المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا. شعرت آنذاك أن الحدود السياسية لا ينبغي أن تفصل بين الشعوب التي يجمعها التاريخ والثقافة والمصير المشترك.

بدأت رحلتي من الجزائر، ومنها انتقلت إلى تونس. في تونس عشت تجربة فكرية وروحية عميقة؛ التقيت ببعض المفكرين، واطلعت على تجارب ثقافية أغنت رؤيتي للحياة. اكتشفت سحر التاريخ التونسي في مدن عريقة مثل قرطاج، وسوسة، وصفاقس، وتونس. كنت أتجوّل بين آثار الحضارات وأشعر أنني أتنفس عبق القرون الماضية، وأن الهوية المغاربية أوسع وأعمق مما نظن.

ومن تونس عبرت البحر إلى مالطا، حيث سحرتني الطبيعة والهدوء، ثم واصلت الرحلة إلى جزيرة صقلية الإيطالية. هناك اكتشفت أثر الحضارة العربية الإسلامية التي تركت بصمتها في اللغة والعمران والعادات، ولا تزال ملامحها واضحة في مدينة باليرمو. كنت أمشي في أزقتها وأشعر أن التاريخ يخاطبني، وأن جذورنا ممتدة في هذه الأرض منذ قرون.
لاحقًا، وبفضل علاقات إنسانية نسجتها مع بعض الإيطاليين، سافرت رفقة أصدقاء جدد إلى جزيرة صردينيا. هناك عشت أجمل اللحظات، وتعرّفت على شعب كريم محب لاكتشاف الآخر. كانت تلك الفترة مفصلية في حياتي؛ إذ بدأت أفكر جديًا في الاستقرار بإيطاليا.
اتجهت إلى شمال البلاد، وتحديدًا إلى مدينة تورينو، حيث وصلت في أكتوبر 1989. كانت مرحلة جديدة مليئة بالتحديات. لاحظت الظروف الصعبة التي تعيشها الجاليات المهاجرة: تهميش، صعوبات في السكن والعمل، وحرمان من بعض الحقوق الأساسية في الصحة والخدمات. لم أستطع أن أكون مجرد متفرج.
بدأت الانخراط في النقابات والجمعيات الإيطالية، مستفيدًا من معرفتي باللغة الإسبانية ومن الكلمات الأولى في اللغة الإيطالية التي تعلمتها في صقلية وصردينيا، إضافة إلى الدروس التكوينية التي وفّرتها بعض المراكز الحكومية الإيطالية. شيئًا فشيئًا، تحولت من مهاجر يبحث عن ذاته إلى فاعل مدني يدافع عن قضايا المهاجرين.
أسست جمعيات، وشاركت في ندوات ومؤتمرات، ووجدت نفسي أخوض تجربة جديدة في المجال الإعلامي والصحفي. هكذا وُلد برنامج “موزاييك”، الذي قدّمته عبر إذاعة FM97، ليكون مساحة لصوت المهاجرين، ومنبرًا للحوار بين الثقافات، وجسرًا بين الضفتين.
اليوم، حين أسترجع تلك الرحلة، أدرك أن الهجرة لم تكن غربة، بل كانت امتدادًا للذات. كانت مدرسة للحياة، علّمتني أن الإنسان أينما حلّ، يمكنه أن يكون رسول محبة، وصوت عدالة، وجسر تواصل بين الشعوب.
إن الهجرة، في جوهرها، ليست هروبًا ولا انسلاخًا عن الهوية، بل يمكن أن تكون محطة لاكتشاف الذات وتعزيز الانتماء. هي تجربة إنسانية عميقة تضع الشاب أمام أسئلة كبرى حول من يكون، وماذا يريد، وكيف يمكنه أن يحقق ذاته دون أن يفقد جذوره. حين تُفهم الهجرة بهذا المعنى، تصبح فضاءً للعمل والاجتهاد، ومجالًا للحوار بين الثقافات، ومدرسةً للكرامة والمسؤولية.
لقد علّمتني تجربتي أن صورة الهجرة السلبية ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة لغياب الرؤية والدعم. أما حين يتسلح الشاب بالقيم والمعرفة والوعي، فإنه يحوّل الغربة إلى فرصة، ويجعل من اختلاف اللغات والثقافات مصدر غنى لا مصدر صراع. فالهجرة ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية وعي أعمق بالهوية، وانفتاحًا أوسع على العالم.

وفي هذا الزمن المتسارع، تبقى الدعوة موجهة إلى الشباب لاستحضار قيم الحوار، والعمل الجاد، والتشبث بالكرامة، أينما وجدوا. كما أن المسؤولية مشتركة؛ إذ لا بد من توفير الظروف المواتية داخل الوطن من تعليم جيد، وفرص شغل كريمة، وفضاءات للمشاركة والإبداع، حتى لا تكون الهجرة اضطرارًا بل اختيارًا واعيًا. فخدمة الوطن لا تكون فقط بالبقاء فيه، بل أيضًا بحمل صورته المشرقة إلى العالم، والمساهمة في بنائه من الداخل أو من خارجه بروح الوفاء والانتماء.
م ص












