اقلام واراء
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر، عادت وجوه انتخابية مألوفة إلى الواجهة بلا حياء، إلى جانب وجوه جديدة تراهن على خوض التجربة للمرة الأولى، ومن حقها ان تكون. وكالعادة، تكثر اللقاءات، وتتعالى الوعود، وتعود لغة القرب من المواطنين والتعهد بخدمتهم إلى واجهة الخطاب الانتخابي، في مشهد يتكرر مع كل استحقاق.
غير أن السؤال الحقيقي الذي تطرحه ساكنة إقليم خريبكة اليوم ليس: من سيصل إلى قبة البرلمان؟ وإنما: من سيبقى قريباً من المواطن بعد انتهاء الانتخابات؟ فالمواطن لا يحتاج إلى مرشح يظهر في الأسواق والأحياء والدواوير خلال الحملة الانتخابية فقط، ثم تختفي صورته وصوته وهاتفه بمجرد إعلان النتائج. ما تحتاجه الساكنة هو برلماني يؤمن بأن التواصل ليس وسيلة انتخابية عابرة، وإنما مسؤولية أخلاقية وسياسية تستمر طوال الولاية.
لقد أظهرت التجارب السابقة أن بعض من مروا من المؤسسات المنتخبة لم ينجحوا في بناء علاقة حقيقية مع المواطنين، سواء على مستوى التواصل أو الإنصات أو الدفاع الفعلي عن قضاياهم. والمشكلة لا تكمن فقط في عدم تحقيق كل الوعود، وإنما في غياب ثقافة الإنصات والتواضع والتفاعل مع الناس، إلى درجة يشعر معها المواطن أحياناً بأنه لم يعد معنياً بمن انتخبهم، وأن أبواب التواصل التي كانت مفتوحة أثناء الحملة أصبحت مغلقة بعدها.
فالبرلماني الحقيقي ليس مجرد رقم داخل قبة البرلمان، ولا اسماً يظهر في اللوائح الانتخابية، بل هو صوت من لا صوت له؛ صوت المواطن البسيط، والعامل، والشاب، والمرأة، والأسرة التي تبحث عن مدرسة أفضل، وصحة تحفظ كرامتها، وفرصة شغل، وبيئة سليمة، ومدينة تليق بأبنائها. وهذه المسؤولية لا تنتهي بمجرد الوصول إلى البرلمان، بل تبدأ يوم إعلان النتائج.
وإقليم خريبكة، بما لها من تاريخ ومكانة وثروات وإمكانات بشرية، تستحق أكثر من مجرد خطابات انتخابية. فالمدينة ما تزال تغلب عليها مظاهر البداوة، واذا هبطنا الى وادي زم وأبي الجعد، نفس الهموم والمشاهد، اما بئر مزوي والكفاف وبوجنيبة وباقي الجماعات الترابية الاخرى، فمعاناتها لا تحصى، حيث تواجه مظاهر مرتبطة بالتأخر العمراني والبيئي والتنمية الحقيقية، وتحتاج إلى رؤية جديدة تعيد الاعتبار لجمالها ومجالها الحضري، وتضعها في المكانة التي تستحقها بين المدن المغربية. ومن حق مدن خريبكة أن تكون جميلة ومنظمة ونظيفة، وأن تستفيد من التنمية التي عرفتها مدن أخرى، سواء في بني ملال أو الرباط أو مدن الشمال.
فما الذي ينقص خريبكة؟ أليس العمل؟ أليست الفكرة الجريئة؟ أليس التخطيط الجيد والغيرة على المدينة وتطبيق المشاريع بدل الاكتفاء بالكلام؟ إن الفرق بين مدينة تتقدم وأخرى تراوح مكانها ليس في الجغرافيا وحدها، وإنما في طريقة التفكير، وفي قدرة المسؤولين والمنتخبين على تحويل الأفكار إلى مشاريع، والطموحات إلى واقع.
ومن هنا، فإن انتخابات 23 شتنبر ينبغي ألا تكون مجرد مناسبة لتغيير الأسماء، بل فرصة حقيقية لتجديد العلاقة بين المواطن والمؤسسة المنتخبة. ساكنة الإقليم تحتاج اليوم إلى وجه جديد في مفهوم المسؤولية قبل أن يكون جديداً في الانتخابات؛ وجه يسمع قبل أن يتكلم، ويتواضع قبل أن يطلب الأصوات، ويجيب عن هاتف المواطن بعد الانتخابات كما كان يجيب عنه قبلها، ويعتبر خدمة الناس تكليفاً لا امتيازاً.
إن خريبكة لا تبحث عن برلماني يطرق أبوابها مرة كل خمس سنوات، وإنما عن برلماني يسكن قضاياها كل يوم؛ يحمل همومها إلى البرلمان، ويتابع ملفاتها، ويدافع عن مصالح سكانها، ويعود إليهم بما تحقق وما لم يتحقق. فالمواطن اليوم أكثر وعياً، ولم يعد يقيس المرشح بكثرة الوعود، وإنما بقدرته على الوفاء، وبحضوره حين يحتاجه الناس، وبمدى احترامه للعقد الأخلاقي الذي يربطه بالذين منحوه ثقتهم.
وفي نهاية المطاف، ستفرز صناديق الاقتراع أسماء جديدة أو تعيد أسماء قديمة، لكن الحكم الحقيقي سيظل بيد المواطن. فـالبرلمان ليس محطة للامتياز، وإنما فضاء لخدمة الوطن والمواطن، ومن أراد الوصول إلى قبة البرلمان عليه أن يدرك أن الطريق إليها لا ينتهي عند إعلان النتائج، بل يبدأ منها.
وخريبكة اليوم تقول بوضوح: نريد من يمثلنا، لا من يمثل علينا؛ نريد من يسمعنا، لا من يسمع أصواتنا فقط يوم الانتخابات؛ ونريد برلمانياً يكون صوتاً للناس تحت قبة البرلمان، لا مجرد اسم إضافي في سجل المنتخبين.
المصطفى الصوفي












