الفعل السياسي بالمغرب بين أزمة الممارسة ورهان تخليق الحياة العامة

ادارة التحرير21 يوليو 2026آخر تحديث :
الفعل السياسي بالمغرب بين أزمة الممارسة ورهان تخليق الحياة العامة

افلام واراء

 

لم يكن الفعل السياسي بالمغرب وليد لحظة تنزيل مفهوم التعددية السياسية فقط، بل هو نتاج مسار تاريخي معقد تشكل عبر صراعات فكرية وسياسية واجتماعية متشابكة، بين مشروع إصلاحي وطني نابع من خصوصيات المجتمع المغربي، وبين تيارات إيديولوجية حاولت استنساخ نماذج فكرية خارج السياق التاريخي والحضاري للمغرب.

 

فالمغرب، باعتباره دولة ذات جذور تاريخية عميقة، لم يكن يوماً مجرد فضاء لتجريب أفكار مستوردة، بل ظل يمتلك خصوصية سياسية وحضارية قائمة على هوية وطنية متجذرة، وعلى تراكم مؤسساتي ساهم في بناء شخصيته الدستورية والسيادية. وقد شكلت مسيرة المقاومة الوطنية إحدى أبرز تجليات الفكر الإصلاحي المغربي، حيث ارتبط النضال من أجل الاستقلال بالدفاع عن كيان الدولة المغربية وعن حقها في الحفاظ على قرارها السيادي وهويتها الحضارية.

 

ورغم انفتاح المغرب على محيطه الدولي منذ قرون، وانخراطه في علاقات دبلوماسية وتجارية مع مختلف القوى العالمية، فقد ظل ينظر إلى نفسه باعتباره دولة قائمة بذاتها، لها تاريخها ومشروعها المجتمعي ومكانتها ضمن منظومة العلاقات الدولية.

 

غير أن واقع الممارسة السياسية اليوم يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل الفعل السياسي ومدى قدرته على الاستجابة لانتظارات المواطنين. فالأزمة لا تكمن في وجود التعددية السياسية في حد ذاتها، وإنما في طبيعة الممارسة والآليات التي تحكم اشتغال الفاعل السياسي والمؤسسات المنتخبة.

 

إن غياب الربط الحقيقي بين المسؤولية والمحاسبة أصبح من أبرز الإشكالات التي تؤثر على الثقة في المؤسسات، كما أن توسع النفوذ السياسي والاجتماعي والمالي لبعض الفاعلين أدى إلى بروز طبقة سياسية جديدة، أصبحت في نظر العديد من المواطنين بعيدة عن هموم المجتمع وانتظاراته اليومية.

 

كما أن نظام اللوائح الانتخابية، رغم دوره في تنظيم العملية الديمقراطية، أصبح يطرح إشكالات مرتبطة بضعف العلاقة بين المنتخب والناخب، وتحول بعض اللوائح إلى مجرد ترتيبات انتخابية لا تعكس دائماً معيار الكفاءة والاستحقاق. وقد ساهم ذلك في تعميق مظاهر العزوف السياسي، وضعف الانخراط في الحياة الحزبية، خاصة في ظل محدودية الديمقراطية الداخلية داخل عدد من التنظيمات السياسية.

 

فالحزب السياسي لم يعد، في بعض الحالات، فضاءً حقيقياً لإنتاج الأفكار وصناعة النخب، بل أصبح يعاني من ضعف آليات التجديد، ومن حضور منطق الولاءات والعلاقات الاجتماعية على حساب التكوين والكفاءة. وهو ما أدى إلى تراجع المشاريع الإصلاحية الهادفة إلى تخليق الحياة السياسية وتعزيز الحكامة داخل المؤسسات الحزبية والمنتخبة.

 

ومن بين الملفات التي تستدعي معالجة قانونية واضحة ظاهرة الترحال السياسي، التي أضحت تمس بصورة مباشرة مصداقية العمل السياسي، لأنها تجعل الانتماء الحزبي في بعض الأحيان مرتبطاً بالمصلحة الشخصية أكثر من ارتباطه بالمشروع السياسي والالتزام الأخلاقي أمام الناخبين.

 

أما على مستوى الجماعات الترابية، فإن رهانات التنمية المحلية ما زالت تواجه تحديات كبيرة. فرغم الإصلاحات المؤسساتية التي عرفها المغرب، وخاصة اعتماد الجهوية المتقدمة وتعزيز اختصاصات الجماعات الترابية، فإن النتائج على مستوى التنمية المجالية لم تصل بعد إلى مستوى تطلعات المواطنين.

 

 

 

لقد كشفت الممارسة اليومية أن العديد من الجماعات الترابية ما زالت تعاني من ضعف في التخطيط، ومحدودية في تدبير الموارد، وتعثر عدد من المشاريع بسبب غياب رؤية واضحة أو ضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين. كما أن التقارير الرقابية، ومنها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، أثارت في مناسبات متعددة ملاحظات تتعلق بضعف الحكامة، واختلالات التدبير، ومحدودية فعالية بعض آليات المراقبة.

 

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل أصبح تدبير الشأن المحلي يحتاج إلى إعادة النظر في طريقة اختيار النخب المسؤولة؟ فالانتماء الحزبي وحده لا يمكن أن يكون معياراً كافياً لتحمل مسؤولية تدبير مؤسسة عمومية، لأن الجماعات الترابية تحتاج إلى منتخبين يمتلكون المعرفة القانونية، والقدرة على التخطيط، والوعي بمفهوم الخدمة العمومية.

 

إن التحالفات السياسية داخل المجالس المنتخبة يجب ألا تتحول إلى فضاء لتقاسم المصالح، بل ينبغي أن تكون آلية لتجميع الكفاءات حول مشاريع تنموية واضحة تخدم المواطن والمجال.

 

إن المغرب يقف اليوم أمام تحدٍ حقيقي يتمثل في ضرورة إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة، عبر الانتقال من منطق الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ومنطق الولاء إلى منطق الكفاءة، ومنطق تدبير المصالح الخاصة إلى منطق تحقيق المصلحة العامة.

 

فالاختيار الديمقراطي لا يكتمل فقط بوجود انتخابات دورية، وإنما بوجود ممارسة سياسية مسؤولة، ونخب قادرة على حمل مشروع مجتمعي، ومؤسسات تضمن المحاسبة والشفافية وربط المسؤولية بالنتائج.

 

إن تخليق الحياة السياسية ليس مطلباً أخلاقياً فقط، بل هو شرط أساسي لتحقيق التنمية والاستقرار وتعزيز السلم الاجتماعي. لأن أي اختلال في تدبير التنمية المحلية سينعكس بالضرورة على المسار التنموي الوطني برمته.

 

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط حول من يفوز في الانتخابات، وإنما حول نوعية الفاعل السياسي الذي نريده للمستقبل: هل هو فاعل يبحث عن الموقع، أم رجل دولة يحمل مسؤولية خدمة الوطن والمواطن؟.

بقلم: رشيد قريش – متخصص في الإدارة الترابية وعلم الاجتماع السياسي

 

 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة