بقلم الأستاذ: يوسف الحيمودي
في هاوية الوجود، حيث تتوارى الأرواح المعذبة خلف ستائر العتمة، تفتح رواية “الحفرة” للكاتب المبدع إدريس الروخ أبوابها على جرح مفتوح ينزف اغتراباً وانكساراً ، هذا الفضاء الكابوسي الذي لا يعدو كونه استعارة مكانية ومجازية لمقبرة الأحلام، يضعنا أمام مرايا الروح المشروخة، حيث تتلاشى ملامح الإنسانية تحت وطأة القهر والتهميش.
تنتمي رواية الحفرة إلى ذلك الصنف من الكتابة الروائية التي لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تحوّل اللغة نفسها إلى أداة حفر في الجرح الإنساني، تدور أحداث الرواية حول سعاد، الفتاة العشرينية المتمردة التي تهرب من بيت أبيها القاسي لتجد نفسها عاملة ومغنية في ملهى ليلي تحت سلطة مديرها فهد الذي يستغلها ويتحرش بها. وفي مدارات هذا العالم الليلي، تتقاطع طريق سعاد مع شخصيتين إضافيتين تحملان جراحهما الخاصة: سائق تاكسي يحمل هموم الليل منذ خمس وعشرين عاماً، ويمد لها يد العون مراراً، وسليمان الأحمدي، الفنان التشكيلي المنكسر من خيانة زوجته سلمى، وبطل رواية إدريس الروخ الأولى “رداء النسيان”.
تحاول هذه القراءة أن تسبر أغوار هذا النص المكثف عبر أربعة محاور متكاملة: دلالة العنوان، والبعد النفسي والاجتماعي للشخصيات، والرؤية الفلسفية التي تؤطر العمل، وأخيراً موقع الفن بوصفه ملاذاً أخيراً من قسوة الوجود.
لا يأتي عنوان “الحفرة” اعتباطياً، بل هو مفتاح تأويلي يتكشف تدريجياً عبر النص حتى يتحول إلى رمز مركزي متعدد الطبقات الدلالية. فالحفرة في مستواها الأول هي اسم علم لمكان واقعي: الملهى الليلي الذي تعمل فيه سعاد وتخضع فيه لسلطة فهد، فضاء مضاء بأضواء خافتة تُغري بالنسيان وتخفي في العتمة كل ما لا يُحتمل رؤيته في وضح الشمس. غير أن الروائي سرعان ما يوسّع دلالة المكان لتتجاوز حدوده المادية، فتصبح “الحفرة” استعارة كبرى للسقوط الوجودي، ولحالة الانغماس في دوامة لا قرار لها.
وتتعمق هذه الدلالة حين يستحضر النص حفرة أخرى موازية: حفرة الذاكرة والماضي التي يحفر فيها سليمان الأحمدي، الفنان التشكيلي الذي لا يزال يحمل عبء خيانة زوجته سلمى ويقتات على الويسكي والذكريات ليهرب من وطأتها. فالحفرة إذن ليست مكاناً بالمعنى الحصري، بل هي بنية نفسية ووجودية تتكرر في كل شخصية بشكل مختلف: حفرة الاستغلال التي تعيشها سعاد تحت سلطة فهد، وحفرة الذنب والخيانة التي يغرق فيها سليمان، وحفرة الحياة الليلية التي يقطعها سائق التاكسي منذ خمس وعشرين سنة وهو يحمل همومه الخاصة بصمت وهو يواسي غيره. واللافت أن العنوان يحمل أيضاً نبرة تحذيرية مبطنة، إذ يُحذّر من الاقتراب من هذا المكان: «لا مكان للملائكة، فقط شياطين الليل يحتلون المكان»، فتتحول الحفرة إلى مقبرة رمزية يُدفن فيها الحلم قبل الجسد.
بهذا التدرج الدلالي يصبح العنوان مرآة مكثفة لمشروع الرواية بأكمله: الحفرة هي الملهى الذي يُستغل فيه جسد سعاد وصوتها، وهي الذاكرة التي يغرق فيها سليمان، وهي المجتمع الذي يدفع بأبنائه إلى الهامش فيصبحون فريسة سهلة لمن يملك سلطة المكان كفهد، وهي أخيراً حالة الإنسان المعاصر في مغرب ممزق بين بريق العولمة وبين واقع اجتماعي مأزوم.
يبني إدريس الروخ شخصياته الرئيسية وفق منطق نفسي واجتماعي متماسك، إذ لا ينفصل الجرح الداخلي لأي شخصية عن السياق الاجتماعي الذي أنتجه، ولا عن شبكة العلاقات القائمة على السلطة والاستغلال التي تحكم عالم الحفرة. فسعاد، بطلة الرواية وشابة في العشرين من عمرها، تُقدَّم بوصفها فتاة يتيمة ومقهورة فقدت أمها في سن مبكرة ووجدت نفسها تحت وصاية أب قاسٍ. هذا الفراغ الأسري يدفعها إلى الهروب من البيت، لكن هروبها لا يقودها إلى التحرر، بل إلى فخ آخر أشد التباساً: عملها في ملهى تحت سلطة مديرها فهد، الذي يستغل ضعفها وحاجتها ليمارس عليها التحرش والابتزاز، فتتحول من ضحية للقسوة الأسرية إلى ضحية لقسوة رأسمالية جديدة أشد خبثاً.
وتقف شخصية فهد في القطب المضاد تماماً: فهو ليس ضحية، بل مصدر الأذى المباشر. مدير الملهى الذي يمتلك سلطة الاستخدام والطرد، يوظف هذه السلطة لاستغلال سعاد جسدياً ونفسياً، مستثمراً هشاشتها الاجتماعية وحاجتها إلى العمل والمأوى. تجسّد شخصية فهد في الرواية نموذج السلطة الذكورية الفاسدة التي تستبيح الجسد الأنثوي الأضعف اقتصادياً، وتحوّل فضاء العمل إلى فضاء ابتزاز دائم، بلا حماية قانونية أو اجتماعية للضحية.
في المقابل، يمثل سائق التاكسي نموذجاً مغايراً تماماً للذكورة في هذه الرواية: رجل خمسيني يحمل هموم الليل منذ خمس وعشرين عاماً، يعرف تفاصيل هذا العالم الموازي جيداً دون أن ينغمس في قسوته، ويمد يد المساعدة لسعاد مراراً دون مقابل مشبوه. غياب اسمه عن النص ليس تفصيلاً عابراً، بل اختياراً دالاً: فهو يمثل صوت الخير الصامت والمجهول الذي يعبر حياة المنكوبين دون أن يطلب اعترافاً أو مقابلاً، فيتقابل تقابلاً رمزياً حاداً مع فهد الذي يملك اسماً وسلطة ومنصباً، لكنه يسيء استخدامهما جميعاً. هذا التقابل بين الرجل الطيب المجهول والرجل السيئ المعروف يكشف عن رؤية الروائي النقدية لمنظومة القيم الاجتماعية، حيث لا ترتبط الأخلاق بالمكانة أو السلطة، بل تُختبر في أفعال الأفراد الصغيرة والمتكررة.
أما سليمان الأحمدي، الفنان التشكيلي الذي التقى بسعاد داخل الحفرة، فيمثل امتداداً سردياً لعالم إدريس الروخ الروائي، إذ سبق له أن كان بطل رواية “رداء النسيان” لذات الكاتب، مما يمنح شخصيته عمقاً مرجعياً يتجاوز حدود الحفرة نفسها. يعيش سليمان أزمة منتصف العمر بعد اكتشافه خيانة زوجته سلمى بعد سنوات من الزواج، فيغرق في الكحول والذكريات هرباً من هذا الجرح الذي لم يندمل. والتقاؤه بسعاد داخل الحفرة ليس محض مصادفة سردية، بل هو تقاطع بين جرحين مختلفي المصدر ومتشابهي الأثر: جرح الخيانة الزوجية عند سليمان، وجرح الاستغلال والتحرش عند سعاد.
بهذا التوزيع الدقيق للأدوار – الضحية (سعاد)، والجلاد (فهد)، والمنقذ الصامت (سائق التاكسي)، والرفيق الجريح (سليمان) – يرسم إدريس الروخ خريطة اجتماعية متكاملة لعالم الهامش الليلي، حيث تتقاطع مصائر مختلفة الطبقات والأعمار والدوافع في فضاء واحد يعري هشاشة الإنسان أمام سلطة المال والنفوذ من جهة، وقدرته على التعاطف والمواساة رغم قسوة الظروف من جهة أخرى.
من أبرز الأسئلة الوجودية التي يطرحها العمل: هل الإنسان مسؤول حقاً عن سقوطه، أم أنه ضحية ظروف قاهرة تسبقه وتتجاوزه؟ يطرح الراوي هذا السؤال بشكل مباشر حين يتساءل عن سعاد: «هل خطأها أنها ارتمت بسرعة في أحضان فهد، بمجرد أن شعرت بأنه ضحية الحب مثلها؟ أم أنها لم تستطع مجابهة كل من يعترض طريقها لتحقيق حلم أنوثتها في أن تكون ملكة نفسها؟ هل فعلاً أخطأت؟ أم أن القدر سطر لها خطوطاً تقودها لفهم الحياة على حقيقتها؟». هذا السؤال يكتسب حدة خاصة حين نعرف أن ما يُسمى “خطأها” هو في جوهره نتيجة استغلال فهد لها، مما يحوّل السؤال الفلسفي إلى مساءلة اجتماعية وأخلاقية: هل يجوز محاسبة الضحية على أثر الفعل الذي ارتكبه الجلاد؟ هذا التردد بين حتمية القدر ومسؤولية الاختيار الفردي يمتد ليشمل سليمان أيضاً، ويتقاطع مع استحضار إدريس الروخ لمرجعيات فكرية وأدبية متنوعة، من دوستويفسكي إلى استحضارات أسطورية وميثولوجية متعددة تمنح المأساة الفردية بعداً كونياً متكرراً عبر التاريخ الإنساني.
كما تطرح الرواية سؤالاً حاداً حول معنى الحرية: هل الحرية التي تمارسها سعاد بخروجها من البيت هي تحرر حقيقي أم انزلاق إلى عبودية أخرى أشد قسوة تحت سلطة فهد؟ يجيب النص ضمنياً بأن الحفرة، رغم مظهرها كملاذ، ليست سوى وجه آخر للقهر، هذه المفارقة بين حرية الليل الزائفة وقيود النهار الفعلية تشكل جوهر الرؤية الفلسفية للرواية: أن الإنسان المسحوق اجتماعياً واقتصادياً، كسعاد، لا يجد أمامه سوى الاختيار بين سجنين لا بين سجن وحرية، بينما يملك من يمتلك السلطة والنفوذ، كفهد، حرية استغلال هذا الاختيار المحدود لصالحه.
في هذه العتمة الخانقة، لا ينبثق الفن كترف جمالي يزين بشاعة الواقع، بل ينفجر كضرورة وجودية وصرخة بقاء، متأرجحاً بين وهم الخلاص وقسوة السقوط في العدم، ليطرح سؤالاً فلسفياً حارقاً عما إذا كان في مقدور الفن أن ينتشل الإنسان من هاويته، أم أنه مجرد صدى يعكس اتساع الخراب الداخلي.
من جوف هذه الهاوية، ينبعث صوت سعاد، الفتاة العشرينية التي حملت على كتفيها إرثاً ثقيلاً من اليتم والتسلط الأبوي، لتلقي بها الأقدار في مستنقع “الحفرة”، الذي تُستنزف فيه الأرواح وتُسلّع فيه الأجساد. غير أن سعاد لم تكن مجرد جسد عابر في ليل السكارى، لقد كان صوت سعاد جناحاً خفاقاً تفر به من عالم الحفرة القذر والضيق إلى سماء السمو والخلاص.
وفي المقابل، يمثل سليمان الأحمدي، الفنان التشكيلي، الوجه الآخر لهذا الخلاص الفني: فهو يعبّر عن جرحه الشخصي عبر الريشة، محوّلاً ألمه إلى صورة بصرية بدل أن يظل حبيس الصمت أو الانتقام. والتقاؤه بسعاد داخل الحفرة يخلق تناغماً فنياً بين صوتها الغنائي وريشته التشكيلية، وكأن الرواية تقترح أن الفن، مهما تعددت وسائطه، يظل اللغة المشتركة القادرة على التعبير عما يعجز الكلام العادي عن قوله، وعلى ربط أرواح منكسرة لا تجمعها إلا الحفرة ولا يخلصها إلا الإبداع.
في قلب هذا الفضاء الموبوء، تنسج الأقدار تقاطعاً درامياً وصوفياً ساحراً بين صوت سعاد الباكي وفرشاة سليمان المكسورة، حين صدحت سعاد بأغاني أم كلثوم، لم يلامس سليمان مجرد ذبذبات صوتية، بل اخترق الغناء حجب ذاكرته، فاستفز أحزانه الدفينة ورسم في مخيلته لوحات من الخيبة، في تلك اللحظة الفارقة، تجلى الفن كلغة سرية عابرة للأرواح، لغة تمتلك تلك الشيفرة السحرية القادرة على أن تعقد قراناً من المواساة بين المتألمين، وتوحد شتات الغرباء في أشد الأماكن ظلمة.
وهكذا، تتجاوز الرواية النظرة الرومانسية الحالمة التي ترى في الفن بلسماً شافياً لكل جراحات الوجود، لتقدمه كفعل مقاومة شرس ومعاناة موازية للوجود، فإذا كان الفن بالنسبة لسعاد صرخة حياة ورفضاً حياً للموت الروحي، فإنه تجلى لسليمان كمجرفة عرّت حقيقته وكشفت عن هشاشة كينونته، إنه بعبارة أدق خلاص ملغوم يمنح الروح نشوة الانعتاق والتحليق للحظات، ثم يتركها وحيدة وعارية لتواجه عبء الوجود الثقيل.
تنجح رواية الحفرة للكاتب إدريس الروخ في تحويل حكاية فتاة مقهورة ومستغَلة، ومدير ملهى فاسد، وسائق تاكسي طيب، وفنان منكسر، إلى تأمل إنساني أوسع في هشاشة الكائن أمام قسوة المجتمع وقسوة من يملك سلطة عليه، فاللغة الشعرية الكثيفة التي يعتمدها الكاتب، وتوظيف الفن بشقيه الغنائي والتشكيلي كصوت مضاد داخل النص، كلها عناصر تصنع من الحفرة نصاً يتجاوز الحكي المباشر نحو مساءلة عميقة لمعنى الاستغلال والحرية والخلاص .
الأستاذ: يوسف الحيمودي











