خريبكة تحتفي بالمسرح: حين تتحول السخرية إلى وعي يضيء الخشبة

ادارة التحرير28 مارس 2026آخر تحديث :
خريبكة تحتفي بالمسرح: حين تتحول السخرية إلى وعي يضيء الخشبة

 

 

في لحظة ثقافية نابضة بالحياة، عادت مدينة خريبكة لتؤكد موقعها كإحدى الحواضر التي تراهن على الفن باعتباره أفقًا للتفكير والتغيير، من خلال احتضان لقاء فني مميز خُصص للمسرح، احتفاءً بروحه النقدية وطاقته التعبيرية. لقاءٌ لم يكن مجرد مناسبة عابرة، بل محطة مضيئة في مسار ثقافي متنامٍ، يضع الفرجة الشعبية في قلب النقاش المجتمعي.

الحدث، الذي نظمته المديرية الإقليمية لوزارة الثقافة بخريبكة تحت إشراف وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة بجهة بني ملال خنيفرة، جاء احتفاءً بـاليوم العالمي للمسرح، واحتضنه المركب الثقافي بخريبكة، في أجواء امتزج فيها الرسمي بالإبداعي، والاحتفاءي بالتفكيري، لتشكل لحظة اعتراف جماعي بدور المسرح في مساءلة الواقع وإعادة تشكيله.

في قلب هذا الموعد، برز اسم الفنان إدريس طلبي، الذي قدم ووقع عمله الجديد “القجمة”، وهو نص يتجاوز البناء الدرامي التقليدي ليغوص في عمق الفرجة الشعبية، مستثمرًا السخرية كأداة فنية لكشف تناقضات المجتمع. فـ”القجمة” ليست مجرد عرض أو كتابة، بل هي مرآة تعكس نبض الشارع، وتستحضر أصوات الهامش، وتمنحها شرعية الحضور داخل فضاء المسرح.

ومن خلال شخصيات تنبض بالحياة مثل خرشاش، نعنيعة، الرحالية، الصاروخ، سي بلوط، وبوغطاط، ينسج طلبي عالماً درامياً تتقاطع فيه مصائر المهمشين، حيث يتحول الضحك إلى شكل من أشكال المقاومة، وتصبح السخرية لغةً بديلة لمساءلة القهر الاجتماعي. إنه مسرح يرفض التجميل، ويختار المواجهة، ويؤمن بأن الفن الحقيقي يبدأ من الهامش… لا من المركز.

وبالموازاة مع ذلك، شهد اللقاء توقيع كتاب “المذكور أعلاه” للفنان بلعيد اكريديس، الذي يواصل ترسيخ حضوره داخل المشهد المسرحي المغربي كصوت تجريبي متمرد على القوالب الجاهزة. عمله الجديد يعكس وفاءه لخط إبداعي جريء، يراهن على التجديد، ويبحث في إمكانات اللغة المسرحية خارج السائد، ما يجعله من الأسماء التي تكتب مسارها بثبات داخل خريطة المسرح المغربي.

ولم يكن هذا اللقاء مجرد تقديم لإصدارات جديدة، بل شكل لحظة تأمل جماعي في معنى المسرح ووظيفته. فالأعمال المقدمة، وعلى رأسها “القجمة”، تؤكد أن المسرح ليس فقط فضاءً للترفيه، بل أداة نقدية قادرة على تفكيك البنى الاجتماعية، وكشف أعطابها، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالكرامة والعدالة والوجود.

وقد أدار هذا اللقاء الفنان زكرياء بنخلفية، الذي أضفى على فقراته حيوية خاصة، فيما عرف حضورًا وازنًا لعدد من الفاعلين الثقافيين والفنانين والمثقفين، إلى جانب ممثلي المؤسسات الرسمية، في مشهد يعكس تزايد الوعي بأهمية الفعل الثقافي كرافعة أساسية للتنمية المحلية.

إن ما جرى في خريبكة يتجاوز حدود الاحتفاء الظرفي، ليؤكد أن المدينة ماضية في ترسيخ هويتها كمجال خصب للإبداع المسرحي، ومنصة لاحتضان التجارب الجادة التي تنحاز لقضايا الإنسان. فهنا، لا يُنظر إلى المسرح كترف، بل كضرورة… وكفعل مقاومة رمزية يعيد الاعتبار للصوت المنسي، ويمنح الهامش فرصة اعتلاء الخشبة.

هكذا، تكتب خريبكة فصلًا جديدًا من وفائها للمسرح، وتعلن، من خلال “القجمة” و”المذكور أعلاه”، أن الفن حين يكون صادقًا، قادرٌ على أن يُنير العتمة… وأن يحوّل السخرية إلى وعي، والهامش إلى مركز إشعاع.

 

ياسمين الحاج

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة