مقدمة
نافذة يومية خلال هذا الشهر الكريم، نطل من خلالها على مسار وحكايات فاعل جمعوي وإعلامي مغربي من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، في أماكن وازنة ومتنوعة. يرويها من خلال قصص وتجارب شخصية غنية، تمتد بين الحاضر والماضي، وتبدأ من مرحلة الطفولة، لتسرد كيف شكلت هذه التجارب شخصية “الطائر المهاجر” الذي ظل مشدودًا إلى ظلال الوطن، متحديا المسافات والزمان، محافظًا على جذوره وهويته، رغم تنقله بين الأمكنة والثقافات.
ضيف النافذة هو الأستاذ المصطفى متوكل مثقف وإعلامي مغربي، قدم برامج إذاعية في الخارج منها برنامج موزاييك FM 97، وكتب في عدة مجلات وصحف، مسلطًا الضوء على قضايا الهجرة وحقوق الإنسان، ومدافعًا عن القضية الوطنية في المحافل الدولية، ومساهمًا في تعزيز الاستثمار في أرض الوطن.
عايش وتفاعل مع أساتذة ومثقفين وسياسيين وصحفيين مغاربة وأجانب، مشاركًا معهم في محطات متعددة، من خلال تعزيز الثقافة والوعي، وتشجيع المبادرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتكريس القيم الوطنية القائمة على الإبداع والمسؤولية…
من طفولتي إلى اليوم… دروس الحياة التي صنعت شخصيتي
شكري موصول لكم على هذه الاستضافة من خلال هذه الزاوية، التي أعتبرها فرصة ثمينة للتواصل مع القارئ ومشاركة التجربة الحياتية، والتطرق إلى قضايا ومواضيع تهمه، مستلهمة من رحلة حياتي التي شكلت شخصيتي وقيمي.
أعود بكم إلى طفولتي، تلك السنوات الأولى التي تركت بصمة عميقة في نفسي. أؤكد أن نشأتي كانت داخل أسرة محافظة وبيئة متدينة، من أصول صحراوية تنتمي إلى قبيلة الركيبات. ترعرعت في مناطق الشاوية وورديغة، وبالضبط أولاد امراح، حيث تعلمت منذ الصغر معنى الانضباط، الاحترام، والتعاون مع الآخرين، متأثرًا بشكل خاص بأخي الفقيه، الذي كان له فضل كبير في ترسيخ المبادئ الأخلاقية والتربوية داخلي، وتوجيه خطواتي الأولى في الحياة.
لاحقًا، انتقلت إلى مدينة خريبكة لمتابعة دراستي الإعدادية والثانوية، حيث بدأت أتعلم بمزيد من المسؤولية كيف أواجه تحديات الحياة، معتمداً على دعمي الأسري، وخصوصًا خالي وخالتي رحمهما الله، الذين سهلوا عليّ مساري الدراسي، وقدما لي الاستقرار والدعم المعنوي في أصعب اللحظات.
وخلال هذه السنوات، ارتويت من قيم الحكمة والكرم، إذ كان بيتنا عامرًا بحفلات تلاوة القرآن الكريم والأدعية، ذكريات راسخة في ذهني لما تحمله من معاني الترابط الإنساني والديني، ومن روح المحبة التي تعلمتها منذ نعومة أظافري.
ومع اقتراب سنوات الثانوية، شهدت تحولات اجتماعية وسياسية كبرى، وكان جيل الطفرة الذي أنتمي إليه يعيش لحظات مفصلية، أبرزها المسيرة الخضراء واسترجاع الأقاليم الجنوبية، تجربة وطنية عظيمة غرست في نفسي قيم الانتماء والمسؤولية تجاه المجتمع والوطن.

كما انطلقت أولى خطواتي في الفكر التطوعي والعمل الخيري، ولو بشكل بسيط، مستلهمًا من الحركات الوطنية وما أفرزته من فنون وثقافة ومسرح، إذ أدركت منذ البداية أن خدمة الآخرين والعمل الجمعوي هما أحد أعمدة بناء المجتمع، والقيم التي ما زالت ترافقني حتى اليوم في حياتي الشخصية والمهنية.
وقد ازدادت قوة إدراكي بالمسؤولية خلال سنوات الدراسة الجامعية، حين شاءت الأقدار أن أعيش في مراكش الحمراء، حيث اتسمت الحياة الجامعية بروح النضال الطلابي والمشاركة الفاعلة في النشاط الثقافي والترفيهي والاستطلاعي لجامعة القاضي عياض. كنت المكلف بالجانب التنظيمي للرحلات والمهرجانات الطلابية، ما أتاح لي فرصة تطوير مهارات القيادة والتطوع، وغرس في داخلي روح العمل الجماعي وتقوية الروابط الطلابية.
أنهى مساري الجامعي بحصولي على الإجازة في الأدب العربي، مع بحث متميز حول التكسب في الشعر الجاهلي، قبل أن أنتقل إلى الرباط لمتابعة الدراسات العليا في تخصص الأدب المغربي بجامعة محمد الخامس.
لينتهي هذا الفصل الدراسي بمغادرتي نحو الديار الأوروبية في عام 1989، بداية مرحلة جديدة ستتخللها تجارب غنية، وسنروي تفاصيلها لاحقًا في مواضيع قادمة، بحول الله، لتكشف عن مسارات وتجارب شكلت شخصيتي ومسيرتي الثقافية والفكرية.
هذه الزاوية إذاً، هي مساحة لمشاركة مثل هذه التجارب، والتأمل في قيم وعبر الحياة، لنحاول معًا فهم أنفسنا والمجتمع من حولنا، ونفتح نقاشًا صادقًا عن كل ما يهم القارئ في حياته اليومية.
م صوفي












