كتاب جديد يُقارب تلازم السلطة والدين في المغرب: قراءة في مؤلف الدكتور محمد الكراري
متابعة: ياسمين الحاج
في سياقٍ تتزايد فيه الحاجة إلى فهمٍ أعمق لتشابك الحقلين السياسي والديني، صدر حديثاً للمفكر والباحث الدكتور محمد الكراري كتابٌ نوعي بعنوان: “دور رجل السلطة في تدبير الشأن الديني في المغرب”، وهو عمل علمي يفتح أفقاً جديداً في دراسة أحد أكثر المواضيع حساسية داخل بنية الدولة المغربية.
ولا ينتمي هذا الإصدار إلى خانة التنظير المجرد، بل يستمد قوته من تلاقح المعرفة الأكاديمية بالتجربة العملية. فالدكتور الكراري، الحاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية، راكم تجربة ميدانية تمتد لأزيد من ثلاثة عقود في قلب الإدارة الترابية، ويشغل حالياً منصب باشا جماعة أولاد عياد، وهو ما يضفي على مؤلفه بُعداً عملياً إضافياً، يعكس تداخل الرؤية الأكاديمية مع الممارسة اليومية في تدبير الشأن الترابي والديني، ويمنح كتابه مصداقية خاصة وعمقاً تحليلياً يلامس الواقع.

ويرصد المؤلف تحولات عميقة عرفها دور رجل السلطة منذ مرحلة ما بعد الاستقلال، خاصة مع المتغيرات التي عرفها العالم الإسلامي منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي. ويبرز كيف لم يعد الشأن الديني مجالاً محصوراً في المؤسسات المختصة، بل أصبح جزءاً من دائرة تدخل الإدارة الترابية، في إطار مقاربة شمولية تحفظ التوازن المجتمعي.
ومن بين أبرز أطروحات الكتاب، دعوة المؤلف إلى ضرورة إلمام رجل السلطة بالمعارف الدينية والفقهية، ليس بوصفه واعظاً أو مرشداً، بل كفاعل إداري يحتاج إلى فهم الخلفيات العقدية والسلوكية للمجتمع، بما يتيح له ممارسة نوع من “الضبط السوسيولوجي” القائم على المعرفة لا على المقاربة الزجرية.
ويؤكد الكتاب على أن تدخل رجل السلطة في الشأن الديني لا يتم في عزلة، بل ضمن تكامل مؤسساتي مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، حيث يضطلع بدور المواكبة والتتبع، بما يضمن صون الثوابت الدينية للمملكة وتعزيز ما يُعرف بـ”الأمن الروحي”.
ويكتسب هذا الإصدار أهميته من راهنيته، إذ يأتي في ظرفية تتسم بتنامي التحديات المرتبطة بتأطير الحقل الديني، في ظل تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة. ويشدد المؤلف على أن الجهل بالظاهرة الدينية قد يُفضي إلى اختلالات في التدبير، في حين أن الفهم العلمي الرصين يشكل مدخلاً أساسياً لنجاعة السياسات العمومية.
ويُعدّ الدكتور محمد الكراري اسماً وازناً في مجاله، جمع بين التكوين الدولي، من خلال حصوله على ماجستير في العلاقات الدولية والسياسة الأوروبية من جامعة لييج سنة 1995، والدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة محمد الأول بوجدة سنة 2004، إلى جانب خبرة ميدانية طويلة في الإدارة الترابية.
بهذا الإصدار، يضع الدكتور الكراري بين أيدي الباحثين والمهتمين مرجعاً علمياً يُسهم في تفكيك أحد مكونات “النموذج المغربي” في تدبير الشأن الديني، ويقدم قراءة متوازنة لدور رجل السلطة في حماية الاستقرار وترسيخ القيم، ضمن رؤية تستحضر خصوصيات المجتمع المغربي وتاريخه المؤسساتي.












