“صوت هند رجب”.. حين يتحول الصوت إلى ذاكرة سينمائية مقاومة

ادارة التحرير7 يونيو 2026آخر تحديث :
“صوت هند رجب”.. حين يتحول الصوت إلى ذاكرة سينمائية مقاومة

 

فاز فيلم ” صوت هند رجب” بالجائزة الكبرى في الدورة 26 للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة بالمغرب
يُعد فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية أحد أكثر الأعمال السينمائية العربية إثارةً للنقاش خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب موضوعه المرتبط بقصة الطفلة الفلسطينية هند رجب، بل أيضاً بسبب اختياراته الجمالية والسردية التي تنقل حدثاً واقعياً من مستوى الخبر الإعلامي إلى مستوى التجربة الوجدانية والوجودية. يستند الفيلم إلى التسجيلات الحقيقية للمكالمة الأخيرة بين هند رجب وفرق الإسعاف والهلال الأحمر الفلسطيني، ويعيد بناء الحدث درامياً ضمن صيغة هجينة تجمع بين الروائي والتوثيقي.
أولاً ينتمي الفيلم إلى ما يمكن تسميته بـ«سينما الشهادة»، وهي سينما لا تكتفي بسرد الحدث، بل تسعى إلى حفظ أثره الإنساني ضد النسيان. فالفيلم لا يركز على الحرب بوصفها مواجهة عسكرية، وإنما على تجربة طفلة عالقة بين الحياة والموت داخل فضاء مغلق.
في هذا السياق، تتحول السيارة المحاصرة إلى استعارة كبرى عن الحصار الوجودي. ليست مجرد مكان، بل فضاء درامي مغلق يشبه القبر المؤجل؛ مكان تتقلص فيه المسافة بين الحياة والموت حتى تكاد تختفي.
نجاح الفيلم هنا يكمن في رفضه تحويل المأساة إلى خطاب سياسي مباشر. فالقوة التعبيرية تنبع من التفاصيل الصغيرة: الخوف، الانتظار، الصمت، التنفس المتقطع، والنداءات المتكررة طلباً للنجدة.
ثانياً، تعتمد بنية الفيلم على الزمن الحقيقي تقريباً، حيث يشعر المشاهد أن الزمن الذي يعيشه هو ذاته الزمن الذي تعيشه الشخصية. وهذا الاختيار يخلق:
تصاعداً درامياً مستمراً، وشعوراً بالاختناق. تم أن هناك إلغاء للمسافة بين المتفرج والحدث.
فالسينما التقليدية تعتمد على القفزات الزمنية والمونتاج التفسيري، أما هنا فإن المخرجة تجعل الزمن نفسه أداة تعذيب نفسي للمشاهد.
أما الصوت، فكان بطلاً رئيسياً؛ إن العنوان نفسه «صوت هند رجب» يكشف مركزية العنصر السمعي.
في أغلب الأفلام تكون الصورة هي الحامل الأساسي للمعنى، بينما في هذا العمل يصبح الصوت هو الشخصية الرئيسية. ويتجلى ذلك من خلال أنفاس هند، من خلال بكاؤها، من خلال أصوات الرصاص البعيدة والقريبة، وخاصة من خلال الصمت الطويل بين الجمل. والصوت هنا ليس مكملاً للصورة بل بديلاً عنها.
إن المخرجة تستثمر ما يسمى بـ”الصوت خارج الكادر”، وهو الصوت الذي لا نرى مصدره لكنه يفرض حضوره على الخيال.
وكلما غابت الصورة المباشرة للموت، ازداد حضوره في وعي المتلقي.
لذلك يمكن اعتبار الفيلم درساً متقدماً في الدراماتورجيا الصوتية.

إن الكاميرا في هذا الفيلم تتجنب البطولات البصرية والاستعراض الجمالي؛ لا توجد لقطات ملحمية أو حركات معقدة. بدلاً من ذلك نلاحظ:
لقطات قريبة جداً، ولقطات ثابتة طويلة مع حركة محدودة داخل الفضاء المغلق.
وهذه التقنية تحقق هدفين: أولاً نقل هشاشة الشخصية. وثانياً تضييق المجال البصري بما يعكس ضيق الخيارات أمامها. وكلما ضاقت مساحة الرؤية ضاقت معها إمكانات النجاة.
إن المونتاج في الفيلم ليس سريعاً كما في سينما الحرب التجارية. بل يعتمد على الإيقاع البطيء المقصود. وهذا البطء يخلق توتراً نفسياً متصاعداً وشعوراً بالانتظار مع الإحساس بالعجز.
فالمتفرج يعرف تقريباً النهاية، لكنه يبقى متشبثاً بأمل الإنقاذ. وهنا تتحول عملية المشاهدة نفسها إلى تجربة انتظار مشابهة لانتظار الطفلة.

ومن أكثر الجوانب أهمية في الفيلم طريقة تمثيل الجسد. فالجسد هنا ليس جسداً بطولياً أو فاعلاً. إنه جسد محاصر وخائف ومجروح وفاقد للحماية،
وفق مقاربات الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، فإن السلطة تُمارس أولاً على الأجساد. وفي الفيلم يصبح جسد الطفلة نقطة تقاطع بين العنف العسكري والخوف النفسي والهشاشة البيولوجية؛ فالجسد لا يتحرك تقريباً ولا يقاوم ولا يهاجم. وهذا ما يجعل العنف الواقع عليه أكثر قسوة.
إن السينما هنا تذكّرنا بأن الحرب ليست أرقاماً وإحصاءات، بل أجساداً صغيرة تتألم: الجسد الطفولي. ويمثل جسد هند في الفيلم نقيضاً كاملاً لمنطق الحرب.
فالطفولة ترتبط رمزياً بـالبراءة واللعب والمستقبل. بينما الحرب ترتبط بـالدمار والموت والانقطاع. ومن هذا التناقض يولد الأثر العاطفي الهائل للفيلم.
ونفسياً، فالفيلم لا يقدم خوفاً عادياً، بل خوفاً وجودياً؛ الخوف هنا لا يتعلق بألم مؤقت، بل بإدراك تدريجي لإمكانية الفناء، فكل سؤال تطرحه هند: “متى ستأتون؟” يحمل في داخله سؤالاً أعمق:
“هل سأعيش؟”…
ورغم وجود أصوات على الهاتف، فإن البطلة تعيش عزلة مطلقة. يمكن الاستعانة هنا بأفكار جان بول سارتر حول الوحدة الوجودية. فالصوت البشري يمنحها أملاً مؤقتاً لكنه لا يلغي واقع العزلة. إنها محاطة بالكلمات لكنها محرومة من اللمسة الإنسانية المباشرة.
إن الفيلم يمثل نموذجاً لما يسمى:
الصدمة الممتدة. فالصدمة لا تأتي في لحظة واحدة، بل تتشكل تدريجياً.
وهذا ما يجعل التجربة أكثر قسوة. والمشاهد نفسه يتعرض لنوع من الصدمات :”الصدمة الثانوية”، لأنه يسمع الخوف ويتعايش معه زمنياً ومباشراً. وقد انعكس هذا الأثر في كثير من ردود فعل الجمهور والنقاد الذين وصفوا الفيلم بأنه تجربة مؤلمة عاطفياً ونفسياً أكثر من كونه مجرد عمل سينمائي.

كما يطرح الفيلم سؤالاً جوهرياً: “هل تستطيع السينما مواجهة الموت؟” الإجابة التي يقدمها العمل تبدو مركبة. فالسينما لا تستطيع إنقاذ الضحية، ولا تستطيع تغيير الماضي. لكنها تستطيع حفظ الذاكرة ومقاومة النسيان وتحويل الصوت الفردي إلى ذاكرة جماعية. وهذا ما يجعل الفيلم أقرب إلى عمل أخلاقي منه إلى مجرد عمل فني.
إن أهم نقاط القوة هي قوة البنية السمعية، مع الاقتصاد البصري الذكي، والأداء التمثيلي الشديد الصدق، وكذلك التكثيف النفسي العالي مع نجاح الدمج بين الوثائقي والروائي.
لكن هناك اعتماد كبير على الأثر العاطفي ما يجعل بعض المشاهد أقرب إلى الصدمة الشعورية منه إلى التأمل الفكري. وكذلك ضيق الفضاء السردي يحدّ أحياناً من تنوع وجهات النظر داخل الحكاية.
كما أن بعض المتلقين قد يرون أن المعرفة المسبقة بالقصة الواقعية تقلل عنصر المفاجأة الدرامية، وهذا لم يلاحظه الكثير من المشاهدين.
يُعدّ “صوت هند رجب” أكثر من فيلم عن طفلة فلسطينية؛ إنه تجربة سمعية ونفسية وجسدية تستكشف هشاشة الإنسان أمام العنف. استطاعت كوثر بن هنية أن تحوّل تسجيلاً هاتفياً حقيقياً إلى عمل سينمائي ذي قوة جمالية وأخلاقية نادرة، حيث يصبح الصوت بديلاً عن الصورة، والانتظار بديلاً عن الحركة، والخوف بديلاً عن البطولة. لذلك يمكن اعتبار الفيلم أحد أهم نماذج السينما العربية المعاصرة التي نجحت في تحويل المأساة الفردية إلى سؤال إنساني كوني عن الذاكرة والعدالة والنجاة.

 

بوشعيب المسعودي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة