مقدمة
تشكل الهجرة اليوم واحدة من أبرز القضايا التي تؤرق العالم، بعدما تجاوزت كونها حركة تنقل عادية بين الدول لتصبح ملفاً إنسانياً وسياسياً معقداً. فهي تعبير عن اختلالات عميقة في التنمية والعدالة وتكافؤ الفرص بين الشمال والجنوب. وبين رغبة الإنسان في تحسين ظروف عيشه، وسعي الدول إلى حماية حدودها ومصالحها، تتولد إشكالات متعددة تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. لذلك، بات من الضروري التفكير في مقاربة شمولية تنظر إلى الهجرة كظاهرة إنسانية مستمرة، تستوجب حلولاً عادلة توازن بين أمن الدول وكرامة الإنسان.
/////////////////
يؤكد المصطفى متوكل أن الهجرة لم تعد مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، بل أصبحت قضية إنسانية وأخلاقية وسياسية تعكس عمق الاختلالات العالمية. فبين جنوبٍ يبحث عن فرص العيش الكريم، وشمالٍ يشدد قوانينه وحدوده، يقف الإنسان المهاجر في منطقة رمادية تتقاطع فيها الآمال بالمخاطر. فملايين الأشخاص يعبرون الحدود الدولية نحو مختلف الأقطار؛ بعضهم بدافع البحث عن العمل، وآخرون هرباً من النزاعات والحروب أو من تداعيات التغيرات المناخية.
وهكذا تغدو الهجرة ظاهرة مركبة؛ فهي في بلدٍ عبور، وفي آخر بلدُ انطلاق، وفي ثالث بلدُ استقرار.
في المغرب مثلاً، لعب الموقع الجغرافي دوراً حاسماً في تحويل بلادنا إلى نقطة عبور نحو أوروبا. غير أن السنوات الأخيرة، وبفضل السياسة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، خاصة نحو إفريقيا وتعزيز التعاون جنوب–جنوب، عرفت قضية الهجرة تحولات لافتة؛ إذ أصبح المغرب أيضاً بلد استقبال واستقرار، من خلال سياسة تسوية الأوضاع الإنسانية والاجتماعية للمهاجرين، وهي سياسة أشادت بها عدة تقارير دولية لنجاعتها وقيمتها الإنسانية الكونية.
غير أن ما يثير الانتباه لدى كل مهتم بقضايا الهجرة هو أن خلف الأرقام والسياسات المتبعة تبقى الحكايات الفردية هي الأكثر تأثيراً: من حكاية شاب يغامر بحياته في قارب مطاطي، إلى أبٍ وأمٍّ يحملان أطفالهما هرباً من أهوال الحرب، دون إغفال الطالب أو الخريج الذي يعجز عن إيجاد فرصة عمل في وطنه الأصلي.
مثل هذه القصص تدفعنا إلى طرح سؤال جوهري: هل الهجرة خيار أم اضطرار؟ ذلك أن ملف الهجرة تتداخل فيه أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية. فالدول المستقبِلة تحتاج إلى اليد العاملة، لكنها في الوقت نفسه تخضع لضغوط داخلية مرتبطة بالهوية والأمن. وفي المقابل، تخسر الدول المصدِّرة كفاءات بشرية مهمة.
إن مقاربة الهجرة من زاوية أمنية لا تكفي؛ فالمطلوب رؤية شاملة تضع كرامة الإنسان وحقوقه في صلب السياسات العمومية، وتعزز التعاون بين دول الأصل والعبور والاستقبال. فالهجرة ليست أزمة عابرة، بل ظاهرة إنسانية رافقت التاريخ وستظل جزءاً من مستقبل العالم.
وهنا أطالب وأُناشد الساسة وكل المسؤولين عن قضايا الهجرة أن يعملوا على إيجاد قوانين وحلول توازن بين حق الدول في أمن حدودها واستقرار مجتمعاتها، وحق الإنسان المهاجر في البحث عن حياة أفضل. كما أدعو إلى الابتعاد عن اختزال المهاجر في رقم داخل إحصائية، فهو إنسان يحمل حلماً وهوية وحقاً أصيلاً في الحياة.











