يستعد الكاتب والمخرج المغربي إدريس الروخ لإصدار روايته الجديدة الحفرة، بتقديم الدكتور وليد سيف، عن مطبعة ووراقة بلال. ويأتي هذا العمل بعد التجربة الروائية الأولى للروخ رداء النسيان، مؤكداً انتقاله المتواصل من فضاءات المسرح والسينما إلى فضاء السرد الروائي برؤية فنية متماسكة
رواية ليلة واحدة… وعالم كامل
تدور أحداث الرواية في زمن محدود يمتد على ليلة واحدة داخل فضاء مكاني مكثف في مكناس، حيث تغادر البطلة الشابة سعاد منزلها لتخوض رحلة وجودية تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع مصير المدينة نفسها. تتنقل الشخصية بين الشارع وفضاءات الليل ومرسم فنان تشكيلي، في بناء سردي يزاوج بين الواقعي والتخيلي، وبين الحاضر واستدعاءات الذاكرة
هذا التكثيف الزمني والمكاني لا يحدّ من اتساع الرواية، بل يمنحها قدرة على تفكيك أسئلة الهوية والذاكرة والتحولات الاجتماعية، حيث يتحول المكان إلى عنصر فاعل في تشكيل المعنى، وتغدو المدينة كياناً حيّاً يشارك في صناعة الدراما.
شهادة نقدية: الرواية بين البساطة والعمق
في تقديمه للعمل، يشير الدكتور وليد سيف إلى أن الرواية تحقق معادلة فنية نادرة تجمع بين سهولة التلقي وعمق الدلالة؛ فالسرد يتسم بالوضوح والانسياب، بينما تتفتح طبقاته على مستويات فكرية واجتماعية وسياسية متعددة. ويرى أن الروخ ينجح في بناء نصّ يزاوج بين المتعة الحكائية والتأمل الفلسفي، بحيث لا تطغى الرسالة على الفن ولا يغيب المعنى خلف الشكل.
كما يبرز التقديم قدرة الكاتب على تشكيل شخصياته من الداخل، عبر حس إنساني يتعاطف مع تحولات الفرد تحت ضغط الواقع الاجتماعي، ويمنح المكان دوراً جمالياً ومعرفياً في آنٍ واحد.
مضامين الرواية: أسئلة الإنسان والمجتمع
يمكن استخلاص أبرز القضايا التي تطرحها الرواية في المحاور الآتية:
1. الزمن والذاكرة
تتداخل الأزمنة داخل الوعي السردي، فيتحول الحاضر إلى امتداد للماضي، وتغدو الذاكرة أداة لفهم المصير الفردي والجماعي.
2. المدينة ككائن حي
تُقدَّم مكناس بوصفها شخصية روائية كاملة، تعكس تحولات المجتمع وتوتراته، وتشهد على صراع القيم بين الماضي والحاضر.
3. الهشاشة الإنسانية
تعرض الرواية شخصياتها بوصفها نتاجاً لظروف اجتماعية ونفسية ضاغطة، متجاوزة ثنائية الخير والشر نحو رؤية إنسانية مركبة.
4. الفن بوصفه خلاصاً
يحضر الفن — خصوصاً التشكيل والموسيقى — كمساحة مقاومة للانكسار، ووسيلة لإعادة بناء المعنى في عالم مضطرب.
5. تداخل الفنون
تستثمر الرواية خبرة الكاتب المسرحية والسينمائية في بناء مشاهد بصرية وإيقاع درامي قائم على الحركة والصمت وتعدد الأصوات.
المشروع الإبداعي للروخ: من الخشبة إلى الرواية
يُعد إدريس الروخ من الأسماء البارزة في المشهد الثقافي المغربي، حيث راكم تجربة متعددة في التمثيل والإخراج والكتابة المسرحية والفكرية. وقد قدّم أعمالاً أدبية ومسرحية متنوعة، من أبرزها:
•«فوق الخشبة»
•«خشبة النص»
•«ولد البلاد»
•«المسرح بين الأنا والآخر»
•الرواية: رداء النسيان
وتعكس هذه الإصدارات اهتمامه بتقاطع الفنون وبالأسئلة الإنسانية والاجتماعية التي تشكل جوهر مشروعه الإبداعي.
بيوغرافيا موجزة
ينتمي إدريس الروخ إلى جيل من المبدعين الذين جمعوا بين التجربة الفنية والممارسة الفكرية، حيث اشتغل في المسرح والسينما والتلفزيون ممثلاً ومخرجاً ومؤلفاً، قبل أن يتجه إلى الكتابة الروائية بوصفها امتداداً طبيعياً لمساره الإبداعي. وتتميّز أعماله بحضور البعد الإنساني والنقد الاجتماعي، وبالاعتماد على لغة تجمع بين البساطة والعمق الدلالي.
نحو أفق روائي متصل
تشير رواية «الحفرة» إلى تطور واضح في تجربة الروخ السردية، حيث تتقاطع مع عالمه الإبداعي السابق وتبني عليه، في مشروع روائي يسعى إلى قراءة الإنسان والمجتمع عبر جماليات السرد وتداخل الفنون
وبذلك يقدّم الكاتب عملاً جديداً يرسّخ حضوره في الساحة الأدبية العربية، ويؤكد أن الكتابة لديه ليست مجرد فعل إبداعي، بل وسيلة لفهم العالم وإعادة صياغته فنياً.











